دراسات
كتب فاطيمة طيبى 30 مارس 2026 12:18 م - التعليقات الحرب تعطل المساعدات الغذائية عالميا.. ملايين مهددون بالجوع الحاد
اعداد ـ فاطيمة طيبي قالت مديرة سلسلة التوريد في البرنامج، كورين فليشر، لصحيفة "فايننشال تايمز"، إن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة لديه نحو 70 ألف طن من المواد الغذائية عالقة في أعالي البحار نتيجة الازدحام وتغيير مسارات الشحن في الممرات الملاحية العالمية. وهذا لما تسببت فيه الحرب الإيرانية في تعطيل وصول عشرات الآلاف من الأطنان من المساعدات الغذائية المخصصة لأفقر دول العالم، حيث حذر هذا البرنامج للأغذية العالمي من أن ملايين آخرين قد يواجهون خطر المجاعة الحادة إذا استمر هذا الاضطراب. كما اضطرت المنظمة الأممية إلى تحويل مسار بعض شحنات المساعدات برا، في ظل تقليص حركة الشحن بشكل كبير عبر نقاط الاختناق الرئيسية، حتى أصبحت بعض الموانئ غير قابلة للوصول. وأدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، في أعقاب الضربات الإيرانية والمخاوف من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، إلى دفع شركات التأمين لرفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، فيما علقت خطوط الشحن حجوزاتها وغيرت مسارات السفن . وتشمل شحنات برنامج الأغذية العالمي المتأثرة نحو 30 ألف طن من المواد الغذائية المعبأة في حاويات، من بينها معلبات وبازلاء مجروشة ومنتجات غذائية متخصصة. ويتم إرسال السفن عبر رأس الرجاء الصالح بدلا من البحر الأحمر إلى موانئ مثل بربرة ومومباسا. ولا تزال نحو 21 ألف طن من القمح المخصصة لجنوب اليمن عالقة، فيما تتأخر شحنات أخرى متجهة إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية في موانئ تنزانيا بسبب الازدحام وكثافة البضائع. ـ النقل عن طريق البر يرفع من قيمة التكاليف: مع تعطل الموانئ الإيرانية، بدأ البرنامج نقل المواد الغذائية برا، ما أضاف عدة أسابيع إلى زمن الرحلة ورفع تكاليف الوقود والخدمات اللوجستية بشكل حاد. وقالت فليشر إن نحو 17.5 مليون شخص في أفغانستان، أي ثلث السكان، يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي، مشيرة إلى أنه يجري أيضا استكشاف طرق برية مماثلة من أوروبا وأوكرانيا عبر تركيا. وحذرت فليشر من أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يؤدي إلى زيادة تكلفة إيصال الغذاء إلى الدول الأكثر عرضة للخطر، مشيرة إلى أن البرنامج نجح إلى حد كبير في التفاوض مع شركات النقل لإعفاء الشحنات الإنسانية من بعض رسوم التأمين الإضافية المرتبطة بالحرب. ـ 45 مليون شخص على حافة الجوع : يقدر برنامج الأغذية العالمي أن 45 مليون شخص إضافي قد يدفعون إلى الجوع الحاد، إضافة إلى 318 مليون شخص يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي حول العالم، إذا استمر الاضطراب الحالي حتى يونيو . وقالت فليشر، مقارنة الأزمة المرتقبة بتداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية: "إذا لم يتوقف هذا، فهذا ما سيشهده العالم". وتؤثر أسعار الوقود المرتفعة بشكل مباشر على تكلفة المواد الغذائية المستوردة، حيث ارتفعت الأسعار في الصومال بنحو 20%، وفق تقديرات البرنامج، فيما تزيد تكاليف الطاقة واضطرابات الأسمدة من الضغوط على نحو 500 مليون مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة. وأشار البرنامج إلى أنه يحتاج إلى نحو 13 مليار دولار هذا العام لمساعدة 110 ملايين شخص، لكنه لم يتلق سوى 6.4 مليار دولار العام الماضي 2025 ، ما اضطره إلى تقليص برامجه. وشكلت الولايات المتحدة 45% من ميزانية الوكالة البالغة 9.7 مليار دولار في 2024، غير أن المساعدات تراجعت منذ ذلك الحين في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وقالت فليشر: "يتزايد عدد الجياع نتيجة أزمة غلاء المعيشة، وفي المقابل ترتفع تكاليف عملياتنا بشكل كبير، بينما لا تتوفر لدينا الموارد الكافية". ـ تهديد متصاعد للأمن الغذائي العالمي: وفق تقرير سابق لموقع "إيكونوميك تايمز"، حذرت منظمة التجارة العالمية من أن النزاع في الشرق الأوسط قد يفاقم تباطؤ التجارة العالمية، ويهدد الأمن الغذائي. وفي حال استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، تتوقع المنظمة أن ينمو حجم تجارة السلع بنسبة 1.4% فقط هذا العام، مقارنة بـ4.6% في 2025. وأوضحت المديرة العامة للمنظمة، نغوزي أوكونجو إيويالا، أن "الارتفاع المستمر في أسعار الطاقة قد يزيد من المخاطر التي تهدد التجارة العالمية، مع احتمال امتدادها إلى الأمن الغذائي وزيادة الضغوط على المستهلكين والشركات". وأضافت أن الحرب "تهدد الأمن الغذائي العالمي"، داعية إلى إبقاء سلاسل الإمداد مفتوحة. ومنذ بداية الحرب، يعمل خبراء المنظمة على مراجعة توقعاتهم . ـ تقرير أممي يحذّر من اتساع رقعة المجاعة بسبب النزاعات والمناخ والتراجع الاقتصادي: أطلق "التقرير العالمي حول أزمات الأمن الغذائي" لعام 2025 (GRFC)، الصادر عن شبكة الأمن الغذائي العالمية بمشاركة منظمات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، تحذيرا صارخا من تفاقم مستويات الجوع الحاد في أكثر من 50 دولة، حيث واجه نحو 295 مليون شخص انعداما شديداً في الأمن الغذائي خلال عام 2024، وهو ما يعادل 22.6 % من السكان المشمولين بالتحليل. وتؤكد الشبكة الأممية أن هذه الأرقام تمثل الاتجاه التصاعدي السادس على التوالي منذ عام 2016، وسط تفاقم الأزمات العالمية. ـ واقع متدهور في بؤر النزاع : وشهدت دول ومناطق، مثل السودان وقطاع غزة وميانمار، تدهورا غير مسبوق في معدلات الجوع، نتيجة مباشرة للصراعات المسلحة والإغلاق الكامل للمساعدات، كما في حالة قطاع غزة، الذي واجه منذ مارس 2024 إغلاقا لجميع المعابر ومنعا لدخول الغذاء والدواء والوقود؛ ما أدى إلى تفاقم المعاناة الإنسانية. وفي السودان، أكد "فريق مراجعة المجاعة" التابع للشبكة، وجود مجاعة بالفعل في معسكر "زمزم" بدارفور الشمالي في يوليو 2024، وهي أول حالة مجاعة مؤكدة عالميا منذ عام 2020، وتبعتها أربع مناطق أخرى تأكدت فيها حالة المجاعة مع نهاية العام، إضافة إلى توقع المجاعة في خمس مناطق أخرى بين ديسمبر 2024 ومايو 2025. ـ عوامل متشابكة : ولا تقتصر الأزمة على النزاعات، بل تتداخل معها أزمات اقتصادية وهيكلية. فارتفاع أسعار المواد الغذائية عالميا، وضعف العملات الوطنية، وزيادة الديون الخارجية، جميعها أدت إلى تراجع القدرة الشرائية، خصوصا في الدول المستوردة للغذاء، مثل اليمن، وسوريا وأفغانستان. وفي الجانب المناخي، لعبت الظواهر الجوية المتطرفة، مثل الجفاف والفيضانات والعواصف، دورا رئيسا في تراجع المحاصيل الزراعية وارتفاع أسعار المواد الغذائية، خصوصا في القرن الأفريقي وأجزاء من آسيا. وتشير التوقعات إلى استمرار هذه الظواهر خلال النصف الثاني من عام 2025. ـ أطفال في مواجهة الهلاك : أبرز التقرير أيضا كارثة صحية صامتة، حيث نحو 37.7 مليون طفل تحت سن الخامسة يعانون سوء تغذية حادا، بينهم أكثر من 10.2 مليون طفل في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتتركز الحالات الأخطر في نيجيريا، والسودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وأفغانستان، واليمن، وهي دول تشهد أيضاً أعلى معدلات الجوع الحاد. وتفاقمت هذه الكارثة مع انتشار أمراض مثل الكوليرا والحصبة في مخيمات النزوح المكتظة، في ظل انعدام الرعاية الصحية ونقص اللقاحات عالميا؛ ما زاد من خطر الوفيات بين الأطفال والنساء الحوامل. ـ نزوح جماعي يفاقم الأزمة : وسجل التقرير وجود 95.8 مليون شخص نازح قسريا في البلدان المتأثرة بالأزمات الغذائية، بزيادة قدرها 4 % مقارنة بعام 2023، مع تركز أكبر عدد من النازحين داخليا في السودان، وسوريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويؤكد التقرير أن السكان النازحين يواجهون نسبا أعلى من الجوع الحاد مقارنة بالمقيمين؛ بسبب ضعف سبل الوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية. ـ الدعوة إلى التحرك العاجل : وسط هذا المشهد القاتم، يشدد التقرير على ضرورة زيادة التمويل الإنساني بشكل عاجل، لا سيما بعد أن شهدت القطاعات الغذائية تخفيضا حادا يصل إلى 45 % في الدعم الدولي. كما يحذر من أن أكثر من 14 مليون طفل معرضون لفقدان خدمات التغذية العلاجية؛ ما ينذر بكارثة إنسانية محتملة إذا لم يتم التدخل السريع. ويمثل تقرير الأمن الغذائي العالمي ناقوس خطر للمجتمع الدولي، "فـالمجاعة ليست احتمالا بعيدا، بل واقعا قائما في مناطق عدة"، والذي حذر من أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية من النزاعات، والتغير المناخي، والتراجع الاقتصادي، فقد يكون سببا غير مسبوق في أزمات الجوع على مستوى العالم . ـ دعوة إلى تحول جذري : وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من أن "الجوع في القرن الحادي والعشرين لا يمكن تبريره"، ورأى أن التراجع الحاد في تمويل المساعدات الإنسانية يعد فشلا في الإنسانية ودعا إلى تحرك عالمي يعيد ترتيب الأولويات ويعتمد على إجراءات قائمة على الوقائع. كما شدد شو دونيو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو)، على ضرورة الاستثمار في الزراعة الطارئة، ليس فقط بصفته استجابة للأزمة، بل بصفته حلا أكثر فاعلية واستدامة على المدى الطويل. ويوصي التقرير بتحول في أساليب التصدي لأزمات الغذاء، بالتركيز على تعزيز النظم الغذائية المحلية وخدمات التغذية المتكاملة، إلى جانب ربط المساعدات الإنسانية بالتنمية طويلة الأمد. ويؤكد أن 70% من الأسر في المناطق المتأثرة تعتمد على الزراعة؛ ما يستدعي توجيه الدعم إليها لبناء القدرة على الصمود أمام الصدمات المستقبلية.
|
|||||||||||||||