دراسات
كتب فاطيمة طيبى 26 أبريل 2026 10:11 ص - التعليقات صدمة الطاقة تعيد تشكيل مسار التضخم الأمريكي باكبر زيادة منذ 4 سنوات
اعداد ـ فاطيمة طيبي تسببت أكبر زيادة شهرية في أسعار البنزين في أمريكا منذ 6 عقود في تسارع حاد لمعدل التضخم خلال مارس ، ما شكل تحديا كبيرا أمام جهود مكافحة التضخم في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وزاد من الضغوط السياسية على البيت الأبيض. وأعلنت وزارة العمل الأمريكية، العاشر من شهر ابريل الحالي ، أن أسعار المستهلكين ارتفعت بنسبة 3.3% في مارس مقارنة بالعام الماضي 2025 ، صعودا من 2.4% في فبراير ، مسجلة أكبر زيادة سنوية منذ مايو 2024. وعلى أساس شهري، ارتفعت الأسعار بنسبة 0.9% مقارنة بشهر فبراير ، وهي أكبر زيادة منذ ما يقرب من 4 سنوات. ويعد هذا التقرير الأول للتضخم الذي يعكس آثار الحرب الإيرانية، حيث ساهم ارتفاع أسعار الوقود في الضغط على ميزانيات الأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، مما قلص قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والإيجار. وباستثناء الغذاء والطاقة، ارتفعت الأسعار الأساسية بنسبة 2.6% سنويا في مارس 2026 ، مقابل 2.5% في فبراير من نفس السنة ، فيما سجلت زيادة شهرية طفيفة بلغت 0.2%، ما يشير إلى أن تأثير صدمة الوقود لم يمتد بعد إلى معظم القطاعات. ـ صدمة النفط والغاز الى متى ؟ : ويبقى السؤال الأهم حول مدة استمرار صدمة النفط والغاز، وما إذا كانت ستؤدي إلى موجة تضخم أوسع مشابهة لما حدث في ربيع 2022 عقب حرب روسيا في أوكرانيا. ويرجح اقتصاديون أن السيناريو الحالي أقل حدة وأقصر زمنا من موجة التضخم التي تجاوزت حينها 9% . ورغم الهدنة الهشة، لم يشهد مضيق هرمز، الممر الحيوي لتجارة النفط، أي انفراج حقيقي، ما أبقى الأسواق تحت ضغط مستمر. وقال كبير الاقتصاديين في مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس، مايكل بيرس، إن الوضع مؤلم على المدى القريب، مع توقعات بزيادة التضخم في أبريل مع استمرار ارتفاع أسعار البنزين، لكنه أشار إلى أن الصدمة قد تكون قصيرة الأجل مقارنة بما بعد الجائحة. وأضاف أن الظروف الحالية أقرب إلى "صدمة حادة ومؤقتة" وليست موجة تضخم ممتدة كما في 2022. وفيما يتعلق بالسلع، تراجعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 0.2% في مارس ، لكنها ارتفعت 1.9% على أساس سنوي، مع توقعات بارتفاعها لاحقا نتيجة زيادة تكاليف الشحن المرتبطة بارتفاع أسعار الديزل. وسجلت الملابس ارتفاعا بنسبة 1% شهريا و3.4% سنويا، بينما انخفضت أسعار السيارات المستعملة 0.4% شهريا و3.2% سنويا. ـ تغيير مسار التضخم : وأدت صدمة أسعار الوقود إلى تغيير مسار التضخم من تباطؤ تدريجي إلى تسارع ملحوظ، مبتعدة عن هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، ما يرجح تأجيل أي خفض لأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة. وتعد أسعار البنزين عنصرا مؤثرا في المزاج الاستهلاكي والسياسي داخل الولايات المتحدة، حيث تنعكس مباشرة على الإنفاق اليومي. وقد أظهر استطلاع حديث أن نحو 60% من الجمهوريين قلقون بشأن تكلفة الوقود خلال الأشهر المقبلة. وبلغ متوسط سعر البنزين 4.15 دولار للجالون10 ابريل 2026 ، مقارنة بـ2.98 دولار قبل بدء الحرب، بزيادة تقارب 40% وفق بيانات ( AAA) . وعلى عكس أزمة 2022، يرى اقتصاديون أن ضعف الطلب الاستهلاكي الحالي وغياب حزم التحفيز الحكومية قد يحدان من استمرار موجة التضخم، رغم بقاء سوق العمل عند مستويات بطالة منخفضة نسبيا. ومع ذلك، يحذر خبراء من أن استمرار ارتفاع الطاقة قد يضغط على النمو الاقتصادي ويؤثر على الإنفاق والتوظيف، ما يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة صعبة بين كبح التضخم ودعم النمو . ـ صندوق النقد يؤكد ..حتى في حال استمرار الهدنة، من المتوقع أن تخلف الحرب تأثيرا ممتدا على اقتصادات العالم : سجل التضخم في الولايات المتحدة ارتفاعا إلى 3.3% خلال مارس، وهو أعلى مستوى في عامين، بحسب مؤشر أسعار المستهلك الصادر عن مكتب إحصاءات العمل، مدفوعا بشكل رئيسي بزيادة أسعار البنزين. يرجح صندوق النقد الدولي أن يبلغ التضخم الأمريكي 3.2% في عام 2026، مقارنة بتوقع سابق عند 2.5% قبل اندلاع الحرب، فيما رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تقديراتها من 2.8% إلى 4.2%. قال جوزيف جانيون، الزميل البارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي: "بحلول نهاية العام، ستكون الأسعار أعلى بوضوح مما كان متوقعا في الظروف الطبيعية". ومن المنتظر أن يتراجع التضخم تدريجيا، لكنه لن ينخفض بالكامل بحلول ديسمبر، وسيظل عند مستويات أعلى مقارنة بما كان عليه في يناير" . كانت الموجة الأولى من تضخم المستهلك مدفوعة بارتفاع أسعار الوقود، حيث قفز سعر البنزين من 2.98 دولار للجالون مع بداية الصراع إلى 4.08 دولار ، وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية. غير أن التداعيات غير المباشرة، الناتجة عن انتقال ارتفاع تكاليف الوقود إلى بقية قطاعات الاقتصاد، لم تتضح آثارها بشكل كامل. قال كريستوفر والر، عضو مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إن"المخاطر تتزايد مع استمرار الصراع وبقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة، إذ يزيد ذلك من احتمالية انتقال هذه الزيادات إلى باقي السلع والخدمات، مع قيام الشركات بتحميل المستهلكين تكاليف الطاقة المرتفعة". ارتفعت أسعار الديزل، الذي يعد عنصرا محوريا في قطاعات حيوية تمتد من الزراعة إلى النقل، من 3.76 دولار إلى 5.59 دولار للجالون منذ اندلاع الصراع، مقتربة من المستوى القياسي البالغ 5.82 دولار الذي تم تسجيله في عام 2022 عقب الحرب الروسية ضد أوكرانيا. بدأ التأثير يظهر بالفعل على المستهلكين في الولايات المتحدة، حيث يشعر العديد منهم بضغط متزايد نتيجة ارتفاع الأسعار. وفقد قال لاري سميث، وهو متقاعد يبلغ من العمر 72 عاما ويقيم بالقرب من مدينة سيلي غرب هيوستن في ولاية تكساس، إنه لمس تأثير الغلاء مباشرة مع ارتفاع أسعار الديزل. ـ المستهلكون يشعرون بضغط الأسعار مع اعتماد الاقتصاد الأمريكي الكبير على الوقود: كما انه لا يزال هذا البلد يعتمد بشكل كبير على الديزل، وأي زيادة في سعره تنعكس فورا على مختلف التكاليف ، وذلك أثناء جلوسه داخل شاحنته الزرقاء من طراز شيفروليه، التي تحمل على نافذتها الخلفية ملصقات داعمة للجيش الأمريكي. وتابع قائلا: "أنا جندي بحرية سابق، ولست راضيا عن مسار الأمور". كما هبط مؤشر ثقة المستهلك الصادر عن جامعة ميشيجان إلى أدنى مستوى له على الإطلاق في أبريل، في ظل تزايد المخاوف من استمرار ارتفاع الأسعار. كما أظهر مؤشر توقعات التضخم أن الأمريكيين يتوقعون تسارع الأسعار بنسبة 4.8% خلال العام المقبل 2027، مقارنة بـ3.8% قبل شهر واحد فقط. كما أدى تضاعف أسعار وقود الطائرات إلى ارتفاع تكاليف شركات الطيران، ما دفعها إلى تمرير هذه الزيادات عبر رفع أسعار التذاكر. ومن المرجح أن تنعكس زيادة تكاليف الأسمدة النيتروجينية، التي صعدت بأكثر من 30% منذ اندلاع الصراع وفق اتحاد المزارعين الأمريكي، على أسعار المواد الغذائية لاحقا خلال العام. مع تصاعد تكاليف النقل بالشاحنات، حذر مسؤولون تنفيذيون في قطاع السلع الاستهلاكية من زيادات مرتقبة في الأسعار خلال الأشهر المقبلة. وقال المدير المالي لشركة "بيبسيكو" ستيف شميت هذا الأسبوع: طتقديراتنا تشير إلى أن موجة تضخم جديدة في الطريق". من جانبه، أوضح ستيو ليونارد جونيور، الرئيس التنفيذي لسلسلة متاجر "ستيو ليوناردز"، أن الارتفاع الحاد في أسعار الديزل منذ بداية الحرب رفع تكاليف توريد السلع إلى متاجره الثمانية في منطقة نيويورك. كما ان الوقود يؤثر على كل حلقات قطاع الغذاء"، مشيرا إلى أن تكلفة نقل شاحنة محملة بالفواكه والخضروات من فلوريدا ارتفعت من 5000 دولار إلى 7000 دولار حاليا. وأوضح أنه بعد سنوات من التضخم المتواصل، فضلت الشركة العائلية تحمل هذه الزيادات في الوقت الراهن، رغم ما تفرضه من ضغوط إضافية على هوامش أرباحها المحدودة بالفعل. سجل التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبا، ارتفاعا إلى 2.6% في مارس على أساس سنوي، فيما يتوقع الاقتصاديون أن يواصل الصعود تدريجيا خلال الأشهر المقبلة مع انتقال تأثير ارتفاع أسعار الوقود إلى مختلف قطاعات الاقتصاد. رغم أن وتيرة هذا الارتفاع ستكون أبطأ وأقل حدة مقارنة بالتضخم العام، فإن الخبراء يحذرون من أنه سيكون أكثر رسوخا، ما يعني أنه سيستغرق وقتا أطول حتى يتراجع. بالنسبة لدونالد ترامب، الذي بنى حملته الانتخابية على محاربة التضخم، فإن استمرار ارتفاع الأسعار يمثل تحديا سياسيا واضحا، خاصة في ظل تراجع شعبيته بالفعل بفعل أزمة تكاليف المعيشة، وهو ما قد ينعكس سلبا على أداء الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي المرتقبة. ـ الأسر تتوقع تسارع التضخم إلى 4.8% العام المقبل مع تزايد الضغوط : قال دامون جودبولت، سائق شاحنة يبلغ من العمر 37 عاماً يعمل لدى"وول مارت"، أثناء تسوقه في سيلي، إنه يشعر بثقل موجة الغلاء، منتقدا تدخل الرئيس في الشرق الأوسط: "لا ينبغي أن نكون هناك، لا جدوى من هذا التدخل". ونحن عائلة مكونة من سبعة أفراد، ونشعر بذلك بشكل كبير. نحاول التعامل بحذر أكبر مع ارتفاع الفواتير، ونضطر للتخلي عن بعض الكماليات مثل الوجبات الخفيفة، والتركيز فقط على الأساسيات". ـ عملية "الغضب الملحمي" : قال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي إن دونالد ترامب كان واضحا منذ البداية بشأن الاضطرابات المؤقتة الناتجة عن عملية "الغضب الملحمي"، مؤكدا أن الإدارة ما زالت تركز على تنفيذ أجندتها لخفض تكاليف المعيشة داخل البلاد. وأضاف أن سياسات جانب العرض، التي تشمل تخفيف القيود التنظيمية، وتعزيز وفرة الطاقة، وخفض الضرائب، من شأنها الاستمرار في كبح التضخم على المدى الطويل، مشيرا إلى أنه مع استقرار أسواق الطاقة وإعادة فتح مضيق هرمز، يتوقع أن يتراجع التضخم العام. وكلف الرئيس الأمريكي عددا من كبار المسؤولين باتخاذ إجراءات تستهدف خفض تكاليف الوقود. في هذا الإطار، أجرى دوج بورجم وكريس رايت، وزيرا الداخلية والطاقة، اتصالا مع مسؤولي شركات النفط ، دعوهما خلاله إلى زيادة مستويات الإنتاج. بالتوازي، وجه وزير الخزانة سكوت بيسنت تحذيرا لتجار الوقود، مؤكدا أن الإدارة تتوقع منهم خفض الأسعار بسرعة مع تراجع أسعار الخام، قائلا: "سنراقب محطات الوقود، إذ سارعت إلى رفع الأسعار مع صعود النفط، ونأمل أن تبادر إلى خفضها بالسرعة نفسها مع تراجع الأسعار". من المرجح أن يتحمل الأمريكيون من ذوي الدخل المنخفض العبء الأكبر من صدمة التضخم، نظرا لأن الوقود يستحوذ على حصة أكبر من إنفاقهم مقارنة بغيرهم. وقال جانيون: "صحيح أن الأثرياء سينفقون المزيد على الطاقة أيضا، لكن بالنسبة للفئات الأقل دخلا، فإن الوقود يعد ضرورة أساسية لتشغيل السيارة وتدفئة المنزل، ما يجعله يشكل جزءا كبيرا من نفقاتهم، وبالتالي يكون تأثير ارتفاع الأسعار عليهم أشد".
|
|||||||||||||||