أبحاث


كتب فاطيمة طيبى
29 ديسمبر 2025 12:58 م
-
الدين العام.. أكثر ملفات الاقتصاد المصري حساسية واسباب الاستدانة لمئات المليارات

الدين العام.. أكثر ملفات الاقتصاد المصري حساسية واسباب الاستدانة لمئات المليارات

اعداد ـ فاطيمة طيبي  

ظل الدين العام واحدا من أكثر ملفات الاقتصاد المصري حساسية، مع بلوغ نسبته قرابة 100% من الناتج المحلي في ذروته وارتفاع كلفة خدمته إلى مستويات قياسية قيدت الإنفاق الاجتماعي والاستثماري. تصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي   الأخيرة تعهدت بعكس الاتجاه خلال بضع سنوات، على وقع تحسن مؤشرات الاستقرار الكلي ومراجعات صندوق النقد الأخيرة. 

الأسبوع الماضي الثالث من شهر ديسمبر ، بدا رئيس الوزراء أكثر تفاؤلا وابتهاجا خلال مؤتمر صحافي عقد بمقر الحكومة، عقب انتهاء صندوق النقد الدولي من المراجعتين الخامسة والسادسة، مبررا أسباب اللجوء إلى الديون بكثافة خلال السنوات الماضية، موضحا مسار الأموال المقترضة. 

في 22 ديسمبر 2025 أعلن صندوق النقد الدولي توصل بعثته لاتفاق على مستوى الخبراء مع مصر بخصوص المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج "التمويل الممتد" بقيمة 8 مليارات دولار، إلى جانب المراجعة الأولى لتمويل "المرونة والاستدامة" بنحو 1.3 مليار دولار، في خطوة تمهد لصرف نحو 2.5 مليار دولار بعد إقرار المجلس التنفيذي. 

وقال مدبولي خلال المؤتمر: "مدركين بالكامل قلق المواطن، وتحذيرات خبراء الاقتصاد من مستويات الدين وخدمته، ومدى تأثر المواطنين خلال برامج الإصلاح الماضية". 

وأكد على أن الديون المصرية مستدامة ومستقرة، وأضاف "خلال سنوات قليلة سنصل لأدنى معدلات تاريخية للديون لم تشهدها مصر منذ 50 سنة " . واضاف رئيس الوزراء  : "نعلم أن خطوات الدولة في الإصلاحات الكبيرة تأثر بها المواطنون"، وحتى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي أشاد كثيراً بمدى وعي المواطن المصري، وأمله في مستقبل أفضل له ولأولاده

ـ اسباب لجوء مصر الى الاقتراض : 

أرجع مدبولي السبب وراء التوسع في الاقتراض إلى "سلسلة استثمارات قاعدية" لبناء دولة حديثة بعد سنوات من تراكم الاختلالات في العديد من القطاعات شملت: الكهرباء، الإسكان، الصرف الصحي، والطرق، بالتوازي مع صدمات خارجية غير مسبوقة (كوفيد-19، حرب أوكرانيا، اضطرابات البحر الأحمر) ضغطت على العملة والميزانية.

وقال مدبولي إن إجمالي قدرات مصر الإنتاجية من الكهرباء تراوح بين 22 ألف ميجاوات إلى 24 ألف ميجاوات قبل عام 2014، وبسبب الثورات الاجتماعية لم تلتفت الدولة المصرية إلى الاحتياجات المتنامية على الكهرباء، ما دفع إلى ضرورة تعزيز القدرات الإنتاجية لمواجهة الطلب المتزايد والذي وصل إلى 39 ألف ميجاوات خلال أشهر الصيف الماضي وحده. لو استقر الإنتاج عند معدلاته السابقة لوصلت انقطاعات الكهرباء إلى أكثر من 12 ساعة يوميا "، بحسب مدبولي.

وعانت مصر من انقطاعات للكهرباء عند ذروة أزمة سعر الصرف في صيف 2024 ووصلت انقطاعات الكهرباء إلى ساعتين يوميا مع ارتفاع الطلب على الغاز.

كما تراجع إنتاج مصر من الغاز - والذي تستهلك محطات الكهرباء وحدها نحو 60% من إجمالي استهلاك مصر منه - إلى مستويات متدنية، دفعت الحكومة إلى عقد صفقة بقيمة 35 مليار دولار لاستيراد الغاز من إسرائيل لعقود. وتستهدف مصر زيادة اعتمادها على الكهرباء المولدة من مصادر متجددة إلى 42% بحلول عام 2030.

ـ كابوس الإسكان :

قالت الحكومة إنها بنت 1.5 مليون وحدة وأزالت مناطق خطرة، فيما تكشف وثائق مبادرة "حياة كريمة" أن الاستثمارات الريفية في مرحلتها الأولى بلغت نحو 350 مليار جنيه تشمل شبكات مياه وصرف ومدارس وصحة لقرابة 18 مليون مواطن في 1.477 قرية.

وفيما أشار مدبولي إلى 300 ألف أسرة كانت تعيش في "عشش" (مباني مؤقتة، وبيوت من صفيح) وكان يتم تصويرها للإساءة إلى سمعة مصر قبل 2010، وكان لدينا مشكلة إسكان رهيبة وصلت إلى خلق ما يعرف بـ"إسكان المقابر" في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، حتى أن توفير وحدة سكنية لشاب في مقتبل العمر كان أشبه بكابوس لكل أسرة مصرية، بحسب رئيس الوزراء.

لكن في المقابل، يتم بيع الوحدات السكنية لمحدودي الدخل بسعر التكلفة، فيما تتحمل وزارة المالية عبء فارق تكلفة التمويل لهذه الوحدات.

ـ التوسع في تغطية الصرف الصحي :

مدبولي أشار إلى أن تغطية الصرف في القرى كانت 12% عند توليه ملف وزارة الإسكان كوزير لأول مرة، وارتفعت إلى 65% حاليا، وقال إن التغطية الكاملة للقرى ستتم عبر مبادرة "حياة كريمة" قريبا.

وأشار مدبولي إلى الاستثمارات الضخمة التي نفذتها الحكومة في مشروعات الطرق والمحاور والموانئ لتسهيل حركة التجارة وانتقال الناس والبضائع، وهو ما شهد تحسنا ملموسا يستطيع أي شخص الشعور به، "حدث هذا مع تضاعف عدد السكان"، بحسب رئيس الوزراء المصري.

وفي قطاع الصحة أنهت مصر قوائم انتظار العمليات ونفذت 2.8 مليون عملية جراحية يتحمل المواطن منها بين 300 إلى 450 جنيها فقط، كان من بينها زراعة كبد وعمليات قلب مفتوح. فضلا عن المبادرة الرئاسية للتخلص من فيروس "سي".

على الجانب الآخر، أكد مدبولي أن كثافة الفصول، انخفضت إلى أقل من 50 طالبا، كما تم زيادة عدد الجامعات المصرية من 50 إلى 120 جامعة.

اختصر مدبولي الاقتراض طوال السنوات الماضية بأنه كان "مبررا لبناء دولة حديثة".

وقال مدبولي، إن الدولة كانت تستدين وتعلم كيف سيتم سداد الديون، إلا أن الصدمات الخارجية غير المسبوقة لم تكن متوقعة، وأخرجت بعض الأشياء عن حساباتها ليس في مصر وحدها بل في كل دول العالم.

من سنتين الدين 96% وحاليا 84% وسنخفض الدين لأقل مستوى من 50 سنة لم يتم رؤيته، والأرقام توضح"، بحسب رئيس الوزراء.

وقال "بدأنا المسار التنازلي وقدرة الدولة على التعامل، والأهم أنه مع الإجراءات وانخفاض الفائدة، وخدمة الدين كرقم ستنزل بشكل كبير، وسنركز الفائض على إنهاء المشروعات ودعم المواطن عبر حياة كريمة" وقال "نتحدث عن 3 أو 4 سنوات لتغير كبير في شكل الدولة المصرية".

ـ هل تولد هذه الاستثمارات نموا سريعا؟ :

لا يزال الجدل قائما، فبينما تؤكد مصر المسار النزولي للدين والضغوط الحكومية، تحذر تقارير نقدية من "مفارقة البنية التحتية" حين تسبق الطرق والموانئ نمو الإنتاج الصناعي والزراعي.

لكن الحكومة تراهن على أثر تراكمي في الإنتاجية وتقليل زمن الانتقال وجذب الاستثمار الخاص عبر تسوية بيئة الأعمال.

الجدل يمتد أيضا إلى تكلفة خدمة الدين والتي تلتهم الجزء الأكبر من إيرادات الدولة (وأغلبها ضرائب) ما يبرر أن الاستدانة في جزء منها تعود إلى ضرورة سداد ديون حان استحقاقها دون وجود مورد يكفي للسداد.

ورغم تحقيق فائض أولي قياسي بلغ 3.6% من الناتج في 2024/2025 (629 مليار جنيه)، ما يزال بند خدمة الدين يلتهم حصة كبيرة من الإنفاق ويقيد الحيز المالي.

الفائض الأولي هو مصطلح يشير إلى الفارق بين الإيرادات والنفقات دون حساب فوائد الديون.

 ـ 4 محددات من صندوق النقد :

من جانبه، حدد صندوق النقد الدولي 4 ركائز لدعم قصة الاستدامة في مصر:

ـ استمرار الفائض الأولي (≥3.5% من الناتج)

ـ سياسة نقدية مشددة تتحول تدريجيا لتيسير مدروس .

ـ برنامج طموح لخفض دور الدولة وتوسيع القطاع الخاص .

ـ تمديد آجال الدين الداخلي عبر سندات أطول وصكوك محلية . 

ـ الاتفاق مع صندوق النقد  قد يتيح صرف مبلغ 2.5 مليار دولار إضافية في إطار الدعم المالي الدولي لمصر:

توصل "صندوق النقد الدولي" إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع السلطات المصرية بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة ضمن برنامج التسهيل الممدد، وهو ما قد يتيح صرف مبلغ 2.5 مليار دولار إضافية في إطار الدعم المالي الدولي لمصر.

وجاء دمج المراجعتين ضمن نفس البرنامج لإعطاء السلطات المصرية مزيدا من الوقت لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الأساسية، فيما أكد الصندوق أيضا التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة الأولى لبرنامج تمويلي آخر، يعرف بتسهيل الصلابة والاستدامة، والذي قد يمكن مصر من الحصول على تمويل إضافي يصل إلى 1.3 مليار دولار

ـ أهمية المراجعتين وتأثيرهما على الاقتصاد المصري:

تأتي هذه الخطوة بعد الاتفاق السابق الذي أبرمته مصر مع "صندوق النقد الدولي" في مارس  2024، والذي تضمن قرضا بقيمة 8 مليارات دولار لمدة 46 شهرا، في وقت كانت البلاد تواجه فيه تضخما مرتفعا ونقصا في العملة الأجنبية.

وفي الأشهر الأخيرة، تمكنت مصر من خفض التضخم من ذروته البالغة 38% في سبتمبر  2023 إلى 12.3% في نوفمبر ، بينما خففت برامج "صندوق النقد الدولي" من حدة نقص العملة الأجنبية، مدعومة بإيرادات سياحية قياسية، وتحويلات المصريين في الخارج، واتفاقات استثمارية خليجية بقيمة عشرات المليارات.

ـ خطوات الإصلاح الهيكلي والتخارج من الأصول:

أكدت رئيسة بعثة "صندوق النقد الدولي" إلى مصر، إيفانا فلادكوفا هولار، أن جهود الاستقرار حققت مكاسب مهمة، وأن الاقتصاد المصري يظهر مؤشرات نمو قوية، لكنها أشارت إلى ضرورة تسريع الإصلاحات الهيكلية، خصوصا المتعلقة ببيع الأصول المملوكة للدولة.

وفي هذا السياق، أقرت مصر في أغسطس  2025 تعديلات تشريعية تهدف إلى تسريع التخارج من الأصول، بما يضمن تحقيق تكافؤ الفرص وتعزيز الشفافية، وهو محور رئيسي في اتفاقيات قرض "صندوق النقد الدولي".

من المتوقع أن يتم لاحقا رفع الاتفاق إلى المجلس التنفيذي لـ "صندوق النقد الدولي" للموافقة النهائية على صرف التمويل الجديد  وحتى الآن  أن الصندوق قد صرف حوالي 3.5 مليار دولار ضمن برنامج القرض، ما يجعل التمويل الجديد خطوة مهمة نحو دعم السيولة وتحفيز النمو الاقتصادي المصري في الفترة المقبلة.

إن إتمام المراجعتين الخامسة والسادسة يعني دفعة قوية للاقتصاد المصري، إذ يتيح تمويلا إضافيا مهما بمليارات الدولارات، ويعكس ثقة "صندوق النقد الدولي" في جهود الإصلاح واستقرار الاقتصاد المصري، مع تسليط الضوء على الحاجة الملحة لمزيد من الإصلاحات الهيكلية والتخارج من الأصول لتعزيز النمو المستدام.

ـ ما تم الاتفاق عليه من مستهدفات مع الصندوق للمراجعتين 7و8 لا تمس المواطن:

وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، إن ما تم الاتفاق عليه من مستهدفات مع صندوق النقد الدولي للمراجعتين السابعة والثامنة لا تمس المواطن وبالتالي لا أعباء جديدة على المواطن.

وأكد مدبولي في تصريحات صحافية الأربعاء، 24 ديسمبر 2025 أن صندوق النقد الدولي أعلن إتمام المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج مصر.

أضاف أن تقرير الصندوق أكد أن الاقتصاد المصري يظهر مؤشرات نمو قوية، مشيرا إلى قوة الأداء المالي مع تحقيق فائض أولي 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024-2025. موضحا أنه سيتم خفض الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى تاريخي لم يتحقق سابقا، لا سيما مع تحسن مؤشرات الاقتصاد المصري، كما أن انخفاض الفائدة سيؤدي أيضا إلى تراجع خدمة الدين.

وتابع: "تلقينا طلبات من عدد كبير من المستثمرين من أجل استغلال مباني وسط البلد في النشاط الفندقي، ويقوم الصندوق السيادي بطرحها بالشراكة مع القطاع الخاص وليس للبيع".

من جانبه، قال صندوق النقد الدولي الثلاثاء 23 ديسمبر  إنه توصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع مصر بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة ضمن تسهيل الصندوق الممدد، مما قد يتيح صرف مبلغ 2.5 مليار دولار بموجب البرنامج. وجاء دمج الصندوق المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج الدعم المقدم لمصر كي يمنح السلطات مزيدا من الوقت.

ـ أداء الاقتصاد المصري في 2025

ايضا أشار مدبولي إلى إشادة وكالة "موديز" بأداء الاقتصاد المصري وتراجع معدل التضخم إلى 12.5% على أساس سنوي في أكتوبر 2025.

وقال رئيس الوزراء المصري إن تحويلات المصريين في الخارج ارتفعت إلى نحو 34 مليار دولار خلال الـ10 أشهر الأولى من العام 2025. كما نمت الصادرات غير البترولية بنسبة 20% في 2025. غير انه لفت إلى استقبال مصر 18.8 مليون سائح خلال العام الجاري 2025 .

ـ  نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96% قبل عامين إلى نحو 84% حاليا بمصر :

قال عضو مجلس النواب ، محمد فؤاد، إن نسبة الدين العام في مصر من استخدامات الموازنة ارتفعت من 43% في العام المالي 2014-2015 إلى 62% من الاستخدامات في عام 2024-2025.

مضيفا في تصريح خاص أنه طبقا لبيانات الربع الأول من العام المالي الحالي بلغت مدفوعات فوائد الدين تقريبا 108% من الإيرادات العامة للموازنة المصرية مما يشكل ضغطا كبيرا جدا على الإنفاق الحكومي بشكل عام .

كماأوضح مدبولي أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96% قبل عامين إلى نحو 84% حاليا، مؤكدا أن الدولة دخلت بالفعل في المسار التنازلي للدين، ومع تراجع أسعار الفائدة ستنخفض أعباء خدمة الدين، بما يتيح مساحة أكبر للاستثمار في قطاعات خدمية مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.

وأوضح عضو مجلس النواب محمد فؤاد  أن السردية الوطنية للاقتصاد المصري تضمنت أن نسبة الدين للناتج المحلي ستنخفض من 85% في عام 2024-2025 إلى 81% في 2025-2026، ثم إلى 79% في 2026-2027، ونحو 77.5% في 2027-2028، و75% في 2028-2029. مشيرا إلى أن هذه هي الأرقام التي يمكن الاعتماد عليها، حيث أعلنتها الحكومة من قبل حول خطتها لخفض الدين العام.

وقال إن ما تحدث به رئيس الوزراء المصري تضمن الإشارة إلى انخفاض تدريجي في الدين العام، وأي انخفاض خلاف ذلك سيعتمد على انخفاض رقم الدين أو ارتفاع رقم الناتج المحلي". كما أعتقد أنه سيتم تطبيق المسارين في نفس الوقت، ولكن الانخفاض التاريخي يعني تراجع نسبة الدين من الناتج المحلي إلى نسبة من 50% إلى 60% وفقا لبيانات عام 1975"  وأن الخيارات المطروحة لخفض الدين العام المصري تتضمن زيادة الإيرادات لتوليد فائض أولي كبير يسهل من دفع الدين بشكل أسرع، أو عن طريق عمليات استثنائية لمبادلة الأصول، أو عملية إعفاء الديون.

 

 



التعليقات