تحليلات
كتب فاطيمة طيبى 5 يناير 2026 2:47 م - التعليقات مصر: الصفقات الكبرى عنوان 2025.. والقوة التي ستقود الاقتصاد المصري في 2026
اعداد ـ فاطيمة طيبي خلال 2025، بدا واضحا أن الدولة المصرية اختارت مسارا مختلفا في إدارة التحديات الاقتصادية، قائما على تعظيم قيمة الأصول، وبناء شراكات استراتيجية، وجذب استثمارات مباشرة ضخمة، بدلا من الاكتفاء بسد فجوات التمويل عبر الاقتراض أو تدفقات المحافظ الأجنبية قصيرة الأجل، التي أثبتت التجارب السابقة هشاشتها أمام أي اضطراب عالمي أو إقليمي. كذلك لم يكن عام 2025 مجرد محطة عابرة في مسار الاقتصاد المصري، بل مثّل نقطة تحول أعادت تشكيل خريطة التمويل والاستثمار، مع صعود الصفقات الكبرى وتراجع الاعتماد على الأموال الساخنة. وفي سنة 2026 السؤال هل تنجح القاهرة في تثبيت نموذج اقتصادي تقوده الاستثمارات طويلة الأجل، أم تعود الأسواق لرهان السيولة المتقلبة، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد معادلة أكثر تعقيدا تجمع بين الاثنين ؟ . هذا التحول لم يأت من فراغ، بل جاء بعد سنوات من الضغوط على ميزان المدفوعات، وتقلبات حادة في سوق الصرف، وارتفاع تكلفة خدمة الدين، وهي عوامل دفعت صانع القرار إلى إعادة تعريف مفهوم الاستقرار الاقتصادي باعتباره استقرارا إنتاجيا واستثماريا لا مجرد توازن نقدي مؤقت. ـ 2025 عام الصفقات بامتياز : شهد العام الماضي سلسلة من الصفقات والاستثمارات الكبرى في قطاعات حيوية، أبرزها العقارات، والطاقة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، ما عزز من تدفقات النقد الأجنبي، ورفع منسوب الثقة في الاقتصاد المصري لدى مؤسسات التمويل الدولية وصناديق الاستثمار الإقليمية. وكان من أبرز هذه الصفقات التي شكلت عناوين بارزة في 2025 : ـ الصفقة العقارية الكبرى مع قطر، حيث أعلنت شركة Qatari Diar, الذراع العقارية لصندوق الثروة السيادي القطري، توقيع اتفاق استثماري بقيمة نحو 29.7 مليار دولار في مشروع تطوير عقاري ضخم على الساحل الشمالي المصري. تمثل هذه الصفقة واحدة من أكبر الصفقات في تاريخ الاستثمار الأجنبي في مصر، وتهدف إلى تطوير مجمعات سكنية وسياحية مترامية في واحدة من أكثر المناطق جذبا للمستثمرين الخليجيين والأجانب. ـ وتأتي اتفاقية الطاقة التاريخية لتوريد الغاز، التي صدق عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي، والتي تقضي بتوريد الغاز من حقل Leviathan في المتوسط إلى مصر بقيمة تصل إلى حوالي 35 مليار دولار على مدى عقود عدة من ثاني أهم الصفقات تمثل هذه الصفقة هدفا استراتيجيا للربط بين البنية التحتية للطاقة في مصر وإمدادات الغاز الإقليمية، وهو ما يعزز موقع القاهرة كمركز إقليمي للطاقة وتصدير الغاز. ـ شراكة في قطاع النقل والموانئ، حيث أعلنت شركة DP World الإماراتية، بالتعاون مع الجانب المصري، عن توسعة مشاريع الموانئ والخدمات اللوجستية في شرق وغرب بورسعيد باستثمارات تقدر بما يتجاوز 8 مليارات دولار، وذلك بهدف تعزيز قدرة مصر التنافسية كمحور لوجستي عالمي على خط التجارة بين أوروبا وآسيا. ـ مشروعات الطاقة المتجددة بمشاركة تحالفات أوروبية وعربية، بما في ذلك مشروعات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح باستثمارات تتجاوز 5 مليارات دولار، في إطار سعي مصر لتعزيز مساهمة الطاقة النظيفة في مزيجها للطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري مع خلق فرص عمل وتقليل فاتورة الاستيراد. ـ هكذا، لم تقتصر صفقات 2025 على إطار التمويل الدولي أو القروض، بل امتدت إلى مشروعات استراتيجية في العقارات والطاقة والبنية التحتية، ما عزز من قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية، وتوفير فرص عمل واسعة، وجذب تدفقات نقد أجنبي عبر شراكات إنتاجية طويلة الأمد. ـ فلسفة إدارة الاقتصاد : يرى الدكتور سامح عطية، أستاذ الاقتصاد ، أن ما جرى في 2025 يعكس تغييرا جذريا في فلسفة إدارة الاقتصاد، حيث لم تعد الدولة تبحث فقط عن سيولة تسد عجزا مؤقتا، بل عن استثمارات تنشئ أصولا وتخلق فرص عمل وتدعم الصادرات على المدى المتوسط والطويل. كما أن الصفقات الكبرى، بخلاف الأموال الساخنة، لا تغادر السوق عند أول أزمة، بل ترتبط بمصالح استراتيجية تجعل المستثمر شريكا في النجاح والمخاطر معا. ـ تراجع رهان الأموال الساخنة : على مدار السنوات الماضية، كانت تدفقات المحافظ الأجنبية أحد مصادر دعم الاحتياطي النقدي، لكنها في الوقت نفسه شكلت مصدر قلق دائم لصناع القرار، نظرا لسرعة خروجها عند تغير الأوضاع العالمية أو ارتفاع المخاطر. ويقول الخبير المصرفي عز الدين حسانين إن التجربة أثبتت أن الاعتماد المفرط على الأموال الساخنة يخلق استقرارا زائفا، سرعان ما ينهار مع أي صدمة خارجية، مشيرا إلى أن الدولة باتت أكثر حذرا في استخدام هذا النوع من التدفقات، وتتعامل معه كأداة مساندة لا كركيزة أساسية. كما أن عام 2025 شهد محاولة واضحة لإعادة ضبط التوازن بين الاستثمار المباشر طويل الأجل وتدفقات المحافظ، بما يقلل من تقلبات سوق الصرف ويمنح السياسة النقدية مساحة أوسع للمناورة. ـ صندوق النقد.. شريك المراقبة لا الإملاء : تزامن زخم الصفقات مع استمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي المدعوم من صندوق النقد الدولي، الذي لعب دور المرآة الخارجية لمسار الاقتصاد المصري. ورغم إشادة الصندوق بتحسن المؤشرات الكلية، فإنه واصل الضغط لتسريع الإصلاحات الهيكلية، وعلى رأسها تقليص دور الدولة والتوسع في التخارج من الأصول. ويرى الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، أن استكمال مراجعات صندوق النقد خلال 2025 لم يكن مهما بسبب قيمة الشرائح التمويلية فقط، بل لأنه بعث رسالة طمأنة قوية للأسواق الدولية بأن مصر ماضية في مسار إصلاحي يمكن الرهان عليه. ويضيف أن هذا الالتزام انعكس مباشرة على استعداد مؤسسات دولية وإقليمية لضخ استثمارات مباشرة، وليس مجرد تقديم قروض أو تسهيلات قصيرة الأجل. ـ القوة التي ستقود الاقتصاد المصري في 2026 : مع دخول العام الجديد، تنقسم توقعات الخبراء حول القوة التي ستقود الاقتصاد المصري في 2026، بين ثلاثة مسارات رئيسية، يبدو أن أحدها فقط لن يكون كافيا بمفرده. لذلك يرى خبراء أن الصفقات الكبرى ستظل المحرك الأساسي للنمو في 2026، خاصة مع بدء ظهور آثارها الفعلية على التشغيل والنشاط الاقتصادي، معتبرين أن عام 2026 سيكون عام جني الثمار الأولية لما تم التأسيس له في 2025. في المقابل، لا يستبعد هؤلاء عودة الأموال الساخنة إلى السوق المصرية، مدفوعة بتحسن مؤشرات التضخم، واستقرار نسبي في سوق الصرف، وتوقعات خفض أسعار الفائدة عالميا، لكن هذه العودة ستكون محكومة بسقوف واضحة، ولن تعود إلى لعب الدور المحوري كما في السابق. أما السيناريو الأكثر ترجيحا، بحسب أغلب التقديرات، فهو المعادلة المختلطة، التي تجمع بين استثمارات مباشرة تقود الاتجاه العام، وتدفقات محافظ تستخدم كأداة دعم عند الحاجة، دون أن تتحول إلى عبء أو مصدر تقلب دائم . ـ الرهانات الكبرى… والمخاطر الكامنة : رغم التفاؤل الحذر، يحذر خبراء من أن نجاح 2026 مرهون بعدة عوامل، في مقدمتها سرعة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وتبسيط الإجراءات، وتحسين مناخ الأعمال. فغياب هذه العناصر قد يحول الصفقات الكبرى إلى مجرد أرقام على الورق، دون أثر ملموس على الاقتصاد الحقيقي. التحدي الأكبر لا يكمن في جذب الاستثمارات، بل في إدارتها وتحويلها إلى قيمة مضافة حقيقية يشعر بها المواطن، وأن الأسواق تراقب عن كثب قدرة الحكومة على تحقيق توازن بين متطلبات الإصلاح والبعد الاجتماعي. إذا كان 2025 قد حمل عنوان عام الصفقات الكبرى، فإن 2026 سيكون بلا شك عام الاختبار الحقيقي لقدرة الاقتصاد المصري على الانتقال من مرحلة البحث عن السيولة إلى مرحلة بناء القيمة والاستدامة . ـ نتائج موافقة صندوق النقد لتمويل مصر.. على الاقتصاد والجنيه : توصل صندوق النقد إلى اتفاق على مستوى الخبراء مع مصر بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة ضمن برنامج "تسهيل الصندوق"، في خطوة تمثل محطة مهمة في مسار برنامج الإصلاح الاقتصادي. ويمهد اتفاق الصندوق ومصر الطريق أمام صرف تمويل جديد يصل إلى 2.5 مليار دولار، في انتظار موافقة المجلس التنفيذي للصندوق. وقال الصندوق، في بيان رسمي، إن قرار دمج المراجعتين جاء لمنح السلطات المصرية مزيدا من الوقت لتحقيق الأهداف الأساسية للبرنامج، في ظل بيئة اقتصادية إقليمية ودولية شديدة التعقيد، مشيرا في الوقت نفسه إلى التوصل لاتفاق مواز بشأن المراجعة الأولى لبرنامج الصلابة والاستدامة، ما قد يتيح تمويلا إضافيا لمصر يصل إلى 1.3 مليار دولار. وكانت مصر قد وقعت في مارس 2024 اتفاقا مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة 8 مليارات دولار على مدار 46 شهرا، في وقت كانت تواجه فيه البلاد معدلات تضخم مرتفعة ونقصا حادا في العملة الأجنبية، ما فرض ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد الكلي وسوق الصرف. وخلال العامين الماضيين، أظهر الاقتصاد المصري تحسنا تدريجيا في عدد من المؤشرات، إذ تراجع معدل التضخم من ذروته عند 38% في سبتمبر 2023 إلى 12.3% في نوفمبر 2025، وفق بيانات رسمية، مدفوعا بإجراءات ضبط نقدي ومالي، إلى جانب تحسن موارد النقد الأجنبي. ـ موارد النقد الأجنبي تخفف الضغوط : وأشار صندوق النقد إلى أن حدة أزمة العملة الأجنبية تراجعت بدعم من البرنامج، إلى جانب تحقيق إيرادات سياحية قياسية، وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، فضلا عن اتفاقيات استثمارية ضخمة مع دول خليجية، على رأسها الإمارات، بقيم تقدر بعشرات المليارات من الدولارات. وفي هذا السياق، قالت رئيسة بعثة صندوق النقد إلى مصر، إيفانا فلادكوفا هولار، إن "جهود الاستقرار الاقتصادي حققت مكاسب مهمة، والاقتصاد المصري يظهر مؤشرات على نمو قوي"، لافتة إلى أن النشاط الاقتصادي سجل نموا بنحو 4.4% خلال السنة المالية 2024-2025، مع تحسن ملحوظ في ميزان المدفوعات. ـ الإصلاحات الهيكلية.. الملف الأصعب : ورغم الإشادة بالتقدم المحرز، شدد الصندوق على أن وتيرة الإصلاحات الهيكلية لا تزال بحاجة إلى تسريع، خصوصًا فيما يتعلق بتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وتسريع برنامج التخارج من الأصول المملوكة للدولة، وهو أحد المحاور الجوهرية في اتفاق القرض. وفي أغسطس الماضي 2025 ، أقرت الحكومة المصرية تعديلات تشريعية تستهدف تسهيل وتسريع عمليات بيع الأصول، إلا أن الصندوق يرى أن التقدم في هذا الملف لا يزال أبطأ من المستهدف. من جانبه، قال الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، إن أهمية استكمال المراجعتين لا تكمن في قيمة الشريحتين الماليتين البالغة نحو 2.4 مليار دولار بقدر ما تعكس ثقة صندوق النقد الدولي في قدرة مصر على مواصلة تنفيذ برنامج الإصلاح. وأوضح أن هذه المراجعات تمثل إشارة طمأنة حاسمة للمؤسسات المالية الدولية، مشيرا إلى أن العديد من اتفاقيات التمويل الموقعة مع جهات مثل الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي ترتبط بشكل مباشر باستمرار الالتزام ببرنامج الصندوق. ـ تأثير مباشر على الاستثمار والجنيه : وحذر أنيس من أن أي تعثر في المراجعات كان من شأنه إحداث اضطراب واسع في المشهد الاقتصادي، ودفع الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة إلى التخارج، بما يحمله ذلك من ضغوط على الجنيه وعودة موجات تضخمية، مؤكدا أن استمرار التقييم الإيجابي يعزز الاستقرار المالي والنقدي. وتوقع الخبراء أحمد خطاب أن تستمر مراجعات الصندوق لمصر بمرونة وإيجابية، مشيرا إلى أن البلاد تجاوزت المرحلة الأصعب من برنامج الإصلاح، خاصة بعد تحرير سعر الصرف في مارس 2024 وما تبعه من إصلاحات هيكلية مؤلمة لكنها ضرورية. ـ الحصول على تمويل إجمالي يقترب من 2.6 مليار دولار: وأوضح الخبير المصرفي عز الدين حسانين أن اعتماد المجلس التنفيذي للمراجعتين سيتيح لمصر الحصول على تمويل إجمالي يقترب من 2.6 مليار دولار، تشمل شريحتين بقيمة 2.4 مليار دولار، إضافة إلى تمويل من برنامج الصلابة والاستدامة والبالغ إجماليه 1.3 مليار دولار على دفعات. مضيفا أن صرف الدفعة القادمة من القرض من شأنها دعم قوة الجنيه أمام الدولار ، خاصة في ظل استمرار تدفقات النقد الأجنبي المصري، وزيادة الاحتياطيات النقدية من الدولار لدى البنك المركزي. وبحسب بيانات صندوق النقد، فقد صرف لمصر حتى الآن نحو 3.5 مليار دولار ضمن برنامج القرض، فيما ينتظر أن تمثل الدفعات الجديدة دفعة قوية لاستقرار الاقتصاد وتعزيز ثقة المؤسسات الدولية ووكالات التصنيف الائتماني في مسار الإصلاح المصري.
|
|||||||||||||||