تحليلات


كتب فاطيمة طيبى
21 يونيو 2026 3:28 م
-
حكومات وبنوك تقترض من الصين والسبب سندات الباندا منخفضة الفائدة

حكومات وبنوك تقترض من الصين والسبب سندات الباندا منخفضة الفائدة

اعداد ـ فاطيمة طيبي

تتهافت الحكومات الأجنبية وبنوك وول ستريت والشركات متعددة الجنسيات على سوق السندات المحلية الصينية، حيث تجعل تكاليف الاقتراض المنخفضة للغاية، التي تعد من بين الأقل في العالم، اليوان عملة تمويل جذابة بشكل متزايد.

وبحسب ما ذكرت شبكة سي إن بي سي، في تقرير حديث، شهد إصدار هذه السندات تسارعا ملحوظا هذا العام 2026 ، حيث انضمت دول ذات سيادة، من بينها كازاخستان وباكستان، إلى مؤسسات مالية عالمية مثل مورجان ستانلي ودويتشه بنك، بالإضافة إلى شركات متعددة الجنسيات مثل فولكس فاجن وهينكل.

وقد أعلن دويتشه بنك، في أواخر مايو الماضي 2026 ، عن جمعه 3.5 مليار يوان (518 مليون دولار أمريكي) من خلال طرح سندات باندا لأجل ثلاث وخمس سنوات، والذي شهد إقبالا كثيفا .

وحافظ إصدار سندات الباندا على قوته في السنوات الأخيرة، حيث بلغ حجم الإصدارات مستوى قياسيا قدره 197.8 مليار يوان في عام 2024، ووصل إلى 183.1 مليار يوان في عام 2025، وفقا لبيانات وكالة موديز. وتجاوزت الإصدارات 137.1 مليار يوان بحلول الأسبوع الثاني من يونيو، بزيادة قدرها 80.4% مقارنة بالعام السابق. وبلغ إجمالي إصدارات سندات الباندا 26.64 مليار يوان في مايو ، وهو أعلى مستوى مسجل لهذا الشهر، بحسب وكالة فار إيست للتصنيف الائتماني.

ـ سر جاذبية سندات الباندا  :

ويكمن سر جاذبية هذه السندات في رخص ثمنها في الصين. وبينما لا تزال تكاليف الاقتراض في أسواق الدولار مرتفعة مع استمرار الاحتياطي الفيدرالي في التمسك بأسعار فائدة مرتفعة، فإن التباطؤ الاقتصادي المطول في الصين وسياستها النقدية التيسيرية قد أبقيا أسعار الفائدة المحلية قريبة من أدنى مستوياتها التاريخية.

ويقدر المحللون أن العديد من الجهات المصدرة الأجنبية قادرة على جمع تمويل باليوان بفوائد تقل عن 3%، وهو ما يعد أرخص بكثير من الاقتراض بالدولار. وأوضحت وكالة موديز للتصنيف الائتماني لشبكة سي إن بي سي: "نرى أن العامل الرئيسي هو فارق أسعار الفائدة، حيث إن التمويل باليوان الصيني أرخص بكثير من التمويل بالدولار الأمريكي" .

ووفقا لمجموعة تقييم المخاطر المالية، تستطيع البنوك الأجنبية التي تصدر سندات الباندا الاقتراض بفائدة تتراوح بين 1.7% و2.2% تقريبا، مقارنة بفائدة تتراوح بين 4.5% و5.5% في أسواق الدولار، مما يوفر ما بين نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية من الفائدة.

ـ مدى حقيقة استراتيجية الين  القديم الذي اعيد اكتشافه:

وقال محللون إن ميزة التكلفة هذه حولت اليوان فعليا إلى عملة تمويل، مما يعكس الدور الذي لعبه الين الياباني في التمويل العالمي لعقود. وقالت كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في ناتيكس، أليسيا جارسيا هيريرو: "إنها في الأساس فكرة الين القديم، أي التمويل الرخيص".

وتشير تقديرات موديز إلى أن الجهات الأجنبية المصدرة تمثل الآن ما يقرب من نصف حجم إصدارات سندات الباندا هذا العام 2026 ، بزيادة حادة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل بضع سنوات فقط .

ولا تزال المؤسسات المالية هي المجموعة المهيمنة، تليها الجهات السيادية والجهات فوق الوطنية المقترضة، في حين أن الشركات متعددة الجنسيات ذات العمليات الواسعة في الصين تتجه بشكل متزايد إلى السوق.

وقال دان وانغ، مدير الصين في مجموعة أوراسيا: "تقوم بنوك وول ستريت بتوسيع نطاق اقتراضها من الرنمينبي لدعم الاستخدام المتزايد لليوان في تسوية التجارة الدولية، وتحتاج البنوك إلى التزامات وأصول أكبر بالرنمينبي للحفاظ على مكانتها كبنوك علاقات رئيسية وصانعي سوق لعملائها المرتبطين بالصين". مع ذلك، لا تفسر أسعار الفائدة المنخفضة وحدها الارتفاع الأخير في إصدار سندات الباندا. لسنوات، كان الاهتمام الأجنبي بسندات الباندا مقيدا بعائق رئيسي واحد، وهو ضوابط رأس المال.

وكان بإمكان المصدرين جمع اليوان داخل الصين، لكن تحويل العائدات إلى خارج البر الرئيسي كان غالبا معقدا وعرضة لعدم اليقين التنظيمي. وهذا ما جعل سندات الباندا جذابة بشكل أساسي للشركات التي لها عمليات كبيرة داخل الصين.

ـ الصين تتعامل بمرونة أكبر:

ما تغير هو استعداد بكين المتزايد للسماح بمرونة أكبر في كيفية استخدام العائدات، وفقا للخبراء.  وقالت هيريرو من ناتيكس إن تخفيف القيود يمثل تحولا مهما في التفكير السياسي، وأضافت: "لم تكن الصين تسمح بخروج رأس المال سابقا، لكنها الآن مستعدة، الصين ترغب في تدويل عملتها".

ويعد هذا التغيير في السياسة بالغ الأهمية بالنسبة للمقترضين السياديين مثل كازاخستان وباكستان، الذين ليس لديهم سبب يذكر لجمع اليوان ما لم يكن من الممكن في نهاية المطاف توظيف العائدات خارج الصين.

وبحسب تقرير لوكالات اجنبية ، كان أحدث مؤشر على التزام بكين جاء يوم الأربعاء  17 من يونيو الحالي ، عندما أعلن محافظ بنك الشعب الصيني، بان غونغشنغ، إجراءات جديدة تسمح للبنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية في الخارج بالوصول إلى سيولة اليوان باستخدام السندات الصينية كضمان، مما يعزز البنية التحتية الداعمة لاستخدام اليوان الصيني في الأسواق الخارجية.

ويتوقع قلة أن يتلاشى هذا الزخم قريبا. وأشار المحللون إلى وفرة السيولة في النظام المصرفي الصيني، وتوقعات بقاء أسعار الفائدة الأمريكية مرتفعة نسبيا، واستمرار الدعم السياسي من بكين، كعوامل تدعم إصدار هذه السندات حتى نهاية العام.

وبحسب المحللين فإن أكبر المخاطر تشمل تضييقا حادا في فروق أسعار الفائدة، وتقلبا كبيرا في قيمة اليوان، أو تحولا غير متوقع في السياسة من جانب الجهات التنظيمية الصينية.

ـ الصين تعزز نفوذها المالي في القارة السمراء :

 تزايد الاعتماد على اليوان مع نمو التجارة بين الصين وأفريقيا من المتوقع أن يؤدي ازدهار التجارة الصينية مع أفريقيا ورفع الرسوم الجمركية عن معظم دول القارة إلى تعزيز استخدام اليوان، مما يدعم مساعي بكين لإيجاد بدائل للتمويل الغربي.

وأظهرت بيانات الجمارك أن التجارة بين الصين وأفريقيا ارتفعت بنحو 18% العام الماضي 2025 ، ومن المتوقع أن تشهد التدفقات التجارية وعمليات التسوية المقومة باليوان زيادة في ظل تخفيض الرسوم الجمركية على الواردات من 53 دولة في مايو. وخلص بحث لصندوق النقد الدولي إلى أن استخدام اليوان يرتفع مع زيادة حجم التجارة مع الصين، التي أعلنت الأربعاء إجراءات جديدة لتعزيز استخدام عملتها عالميا.

وتستقبل الموانئ الصينية المزيد من البضائع الأفريقية منذ إلغاء الرسوم الجمركية، مما يعزز الطلب على تسوية المعاملات بين اليوان والعملات الأفريقية المحلية. ورغم قلة البيانات الموثوقة عن استخدام اليوان في أفريقيا، فإن نمو التجارة مع الصين يتزايد بفضل منصات دفع جديدة وتحويل بعض الدول ديونها إلى عملات أقل تكلفة.

وقال  الرئيس التنفيذي لستاندرد تشارترد كينيا، بيرجو سانجراجكا، إن المعاملات باليوان آخذة في النمو، مضيفا أنه لا يرى حتى الآن أي مؤشرات تذكر على أن العملة الصينية ستحل محل الدولار. وتابع: "نعتبره مكملا للدولار".

وصار ستاندرد بانك في جنوب أفريقيا أول بنك تجاري أفريقي يتصل بنظام الدفع بين البنوك عبر الحدود (سيبس) الصيني في نوفمبر ، وتولى معاملات بقيمة 500 مليون دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى. وقال مدير المبيعات في قسم المعاملات المصرفية لدى ستاندرد بانك سي.آي.بي، إيفز يانغ: "المعاملات التي نشهدها مدفوعة في المقام الأول بأنشطة الاستيراد والتصدير بين الصين وأفريقيا.. نعمل على توسيع نطاق نظام سيبس ليشمل المزيد من الدول". وتسعى بكين إلى دعم الصادرات الأفريقية من خلال إلغاء الرسوم الجمركية.

وقال المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، خه يادونغ: "في ظل الظروف التي تشكل فيها النزعة الأحادية والحمائية صعوبات وتحديات للدول الأفريقية، تستفيد الصين من مزايا سوقها الضخمة".

ـ نظرة على التدفقات التجارية :

يقول مصرفيون إن التحول إلى اليوان انعكاس لنمو التجارة، وليس تحديا مباشرا للدولار. وقال سانجراجكا إن ستاندرد تشارترد كينيا بدأ في إصدار خطابات اعتماد مقومة باليوان، مما يتيح للعملاء الكينيين الحصول على خصومات من خلال تجنب تكاليف تحويل الدولار. وتعمل الصين ودول أخرى، منها روسيا، على تعزيز قنوات الدفع التي تتجاوز الدولار، مما دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى التحذير من التخلي عن عملة بلاده.

وقال الرئيس التنفيذي لمركز تعزيز المشروعات الخاصة في نيجيريا، مودا يوسف: "جزء من المشكلات التي نشهدها حول العالم الآن يتعلق بكيفية الحد من هيمنة الدولار"، مضيفا أن بكين تعمل على تشجيع تسوية المعاملات باليوان. وتابع: "عندما تصدر إليهم، يتم الدفع لك باليوان".

ـ مخاطر تقلبات أسعار الصرف :

يقول بنك الصادرات والواردات الأفريقي، الذي وقع اتفاقا العام الماضي 2025  للانضمام إلى نظام سيبس، إن التجارة مع الصين تمثل 20% من التجارة الخارجية للقارة بعد أن كانت 5% قبل عقدين. ويرى آخرون أيضا بعض الفرص واعدة. ويعمل إيكوبانك، الذي مقره توجو في 34 دولة أفريقية، وبنك الصين على إطلاق خدمة للتسوية بين اليوان والعملات المحلي ة هذا العام.

وقال  الرئيس التنفيذي لإيكوبانك، جيريمي أووري: "تقوم الصين ببناء شبكات الدفع والتسوية الخاصة بها، مما قد يجعل هذه العمليات شبه فورية". وهذا من الأمور الإيجابية بالنسبة لمستثمرين مثل المواطن الصيني كو مينغ، مالك سانمارك المحدودة التي مقرها كينيا. ومن شأن التحول من المعاملات القائمة على الدولار إلى المدفوعات باليوان أن يدعم شركة معالجة زيت الأفوكادو التي يعمل بها 50 شخصا. وقال كو: "سيساعدنا ذلك بسبب سعر الصرف"، مضيفا أن الاقتراض قد يصبح أرخص أيضا نظرا لانخفاض أسعار الفائدة على اليوان.كما أن مكانة الصين بوصفها أكبر دائن ثنائي لدول مثل السنغال وإثيوبيا وكينيا تعزز تبني اليوان في أفريقيا.

فقد حولت كينيا العام الماضي 2025 الى  3 قروض صينية لبناء السكك الحديدية من الدولار إلى اليوان، مما أدى إلى خفض تكاليف الفوائد بنحو 215 مليون دولار سنويا، في حين أعلنت زامبيا في أواخر 2025 أنها ستبدأ في قبول عوائد حقوق التعدين والضرائب من الشركات الصينية باليوان لتعزيز احتياطياتها والمساعدة في سداد ديونها للصين.

ـ صادرات الأفوكادو إلى الصين :

قال مسؤولون في الحكومة الصينية إن الواردات والصادرات الصينية المقومة باليوان قفزت 14% على أساس سنوي في أبريل إلى 4.38 تريليون يوان (647 مليار دولار)، دون الإشارة إلى أرقام خاصة بأفريقيا.

ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في كينيا، إذ ارتفعت صادرات الأفوكادو إلى السوق الصينية الضخمة من 10 إلى 20 حاوية أسبوعيا في 2022 إلى نحو 200 حاوية، مع توقعات بأن تصل الكميات إلى 1000 حاوية بحلول 2030، لتضاهي بذلك الشحنات الموجهة إلى أوروبا، التي لطالما كانت السوق الرئيسية.

وفي منشأته للتعبئة على مشارف نيروبي، توقع العضو المنتدب لشركة صن رايب، ثيكو شاه، أن تتفوق الصين على أوروبا بين 2030 و2035، وأن يسرع تحول كينيا نحو التمويل المقوم باليوان من وتيرة النمو في التجارة. وقال: "إذا أصدرنا الفواتير باليوان وقبلت البنوك باليوان في التسوية، ثم وجدنا مشتريًا لليوان الذي بحوزتنا، فسيكون هذا مثاليا".


أخبار مرتبطة
 
17 يونيو 2026 1:26 مإيفيان: توقعات للاقتصاد العالمي بقمة السبع.. قرارات سياسية وتعريفات جمركية وذكاء اصطناعي16 يونيو 2026 1:51 مالمعرض الدولي 32 للاتحاد العربي للأسمدة: 9.4 مليار دولار صادرات مصر من الاسمدة15 يونيو 2026 1:00 مخبراء يرسمون سيناريوهات المستقبل للذهب ويوضحون الأسباب14 يونيو 2026 11:46 صستاندرد تشارترد: بدعم من آسيا والشرق الأوسط زخم متزايد للاستثمار الأجنبي بمصر8 يونيو 2026 3:41 ممطورون عقاريون: حماية حقوق المشترين بضمان استلام الوحدة بالشروط المتعاقد عليها2 يونيو 2026 12:55 مأرباح كأس العالم 2026.. كيف تجني FIFA المليارات من البطولة؟1 يونيو 2026 2:25 مجيروم باول يحذر من الضغوط السياسية ويعترف بأخطاء "الفيدرالي" الأميركي20 مايو 2026 3:10 ممحللون: تثبيت الفائدة السيناريو الأقرب لاستقرار سوق النقد والحد من الضغط على الجنيه18 مايو 2026 11:55 صمكاسب قمة ترامب- شي.. إنعاش المصالح التجارية لشركات أمريكية17 مايو 2026 3:05 متوقعات بتثبيت أسعار الفائدة وخروج 3.2 مليار دولار من أدوات الخزانة منذ فبراير

التعليقات