تحليلات
كتب فاطيمة طيبى 20 يوليو 2026 2:20 م - التعليقات المنظومة المالية لبكين التحدي الأكبر امام الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والرسوم الجمركية
اعداد ـ فاطيمة طيبي رغم احتدام المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، يرى أحد أبرز المستثمرين الصينيين أن التحدي الأكبر الذي يواجه بكين لا يتعلق بالذكاء الاصطناعي أو أشباه الموصلات أو الرسوم الجمركية، بل بمنظومتها المالية التي أصبحت الحلقة الأضعف في مسيرة صعودها الاقتصادي. وقال الرئيس التنفيذي لشركة "بريمافيرا كابيتال"، فريد هو، والمسؤول السابق في غولدمان ساكس، إن النظام المالي الصيني تحول إلى "اللوح الأقصر" في الاقتصاد، في وقت تتسارع فيه خطوات فك الارتباط المالي والاستثماري بين واشنطن وبكين. ويعد هو من أبرز الشخصيات التي ساهمت في فتح الأسواق الصينية أمام وول ستريت، كما دعمت شركته استثمارات في شركات عملاقة مثل علي بابا وبايت دانس المالكة ل"تيك توك" وديدي ويام تشاينا، وفقا لما ذكرته شبكة "CNBC" . وربط هو بين مستقبل الابتكار الصيني وقدرته على الوصول إلى التمويل، محذرا من أن القيود المتبادلة بين الصين والولايات المتحدة على تدفقات رأس المال قد تفرض تكلفة باهظة على الاقتصاد الصيني. فبينما شددت واشنطن القيود على استثمارات الأميركيين في الشركات الصينية العاملة في التقنيات الحساسة، اتجهت بكين بدورها إلى تقييد وصول بعض الشركات التكنولوجية المحلية إلى التمويل الأميركية . ـ قيود صينية على شركات تكنولوجية : وفرضت السلطات الصينية قيودا على تلقي شركات التكنولوجيا الخاصة رؤوس أموال أميركية من دون موافقات حكومية، كما تزايدت الحساسية السياسية تجاه إدراج الشركات الصينية في البورصات الأميركية. وفي المقابل، حظرت الولايات المتحدة على بعض صناديق التقاعد والمؤسسات التعليمية الاستثمار في شركات صينية تعمل في مجالات تعتبرها حساسة استراتيجيا. وأشار هو إلى أن صناديق الاستثمار المباشر الأميركية تمكنت إلى حد كبير من تجاوز تداعيات التوترات الجيوسياسية، بينما تعرضت نظيراتها الصينية لضغوط متزايدة من الجانبين. وأضاف أن شركات الاستثمار الصينية لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على المستثمرين الأميركيين لجمع الأموال. وقال إن الفجوة التمويلية بين البلدين لا تزال هائلة، إذ تبلغ قيمة سوق الأسهم الأميركية نحو 75 تريليون دولار، مقارنة بحوالي 22 تريليون دولار فقط لأسواق الصين وهونغ كونغ مجتمعة، فضلاً عن وجود آلاف صناديق التقاعد الأميركية التي تمثل مصدرا دائما للسيولة الاستثمارية. وأوضح أن الأموال الحكومية الصينية غالبا ما تكون موزعة على صناديق محلية صغيرة ومتفرقة، في حين تواصل الحكومة فرض سيطرة قوية على المدخرات الضخمة للأسر الصينية، ما يحد من قدرة القطاع الخاص على تعويض تراجع التمويل الأجنبي . ـ الشركات الناشئة الصينية فقدت أحد أهم مصادر تمويلها : ويرى الباحث في معهد بروكنج ز، كايل تشان، أن الشركات الناشئة الصينية فقدت أحد أهم مصادر تمويلها مع تراجع الاستثمارات الأميركية نتيجة المخاطر التنظيمية، متوقعاً تشديد القيود الأميركية على تدفقات رأس المال إلى الصين خلال الفترة المقبلة. ـ معضلة رأس المال والسيطرة : وأكد خبراء أن بكين لم تسع يوما إلى استنساخ نموذج وول ستريت، إذ تعتبر السيطرة على تدفقات رأس المال جزءا أساسيا من أدوات إدارة الاقتصاد والتوجيه الصناعي. وأشار تشان إلى أن القيادة الصينية تنظر إلى رأس المال باعتباره موردا استراتيجيا لا ترغب في التخلي عن السيطرة عليه، بخلاف النموذج الأميركي الذي يمنح المؤسسات المالية الخاصة دورا أكبر في توجيه الاستثمارات. ولعب النظام المالي الصيني دورا محوريا في دعم القطاعات الاستراتيجية التي تراهن عليها الحكومة، مثل السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، من خلال ضخ استثمارات حكومية ضخمة. وأظهرت بيانات مجموعة روديوم أن نشاط الاستثمار المباشر ورأس المال الجريء لا يزال أقل بكثير من ذروته المسجلة عام 2021، فيما ارتفعت مساهمة الصناديق الحكومية إلى 81% من رؤوس الأموال الجديدة خلال العام الماضي مقارنة مع 65% في 2019. وحذرت المجموعة من أن هذا النهج قد يساعد على تحقيق الأهداف الصناعية قصيرة الأجل، لكنه قد يؤدي على المدى الطويل إلى زيادة الهدر وضعف الكفاءة الاقتصادية نتيجة التوسع في توجيه الموارد مركزياً. ثروة ضخمة غير مستغلة وأكد هو أن الصين لا تعاني نقصا في الأموال، بل تفتقر إلى قنوات فعالة لتوظيفها. فمعدل الادخار الوطني يقترب من 43% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف المعدل الأميركي البالغ نحو 18%. وبلغت ثروة الأسر الصينية نحو 167 تريليون يوان، ما يعادل 24.6 تريليون دولار بنهاية عام 2025، إلا أن غالبية هذه الأموال تظل موجهة نحو العقارات والودائع المصرفية والمنتجات الاستثمارية المضمونة. وقال المدير التنفيذي لمجموعة آسيا في الصين، هان شين لين، إن المستثمرين الأفراد لا يزالون يفضلون الأصول التقليدية على الاستثمار في الشركات الناشئة ورأس المال المخاطر. وأوضح هو أن هذه المدخرات الضخمة تكشف عن "تخلف" نسبي في تطور النظام المالي، حيث لا يستطيع الصينيون الاستثمار بحرية في الخارج، بينما تراجعت جاذبية العقارات والأسهم المحلية، في وقت يواجه فيه مديرو الصناديق صعوبات متزايدة في جمع الأموال داخل السوق المحلية. كما شددت هيئة تنظيم الأوراق المالية الصينية خلال العام الحالي الرقابة على تدفقات الأموال الخارجة نحو الأسواق الأجنبية، في إطار مساعي الحكومة للحفاظ على السيطرة على حركة رؤوس الأموال. ورغم محاولات الصناديق الصينية جذب رؤوس أموال من الصناديق السيادية الخليجية، يرى هو أن حجم السيولة المتاحة في المنطقة يبقى أقل بكثير من السوق الأميركية، بل وأقل من المدخرات المحلية الصينية نفسها. ـ رهان على الإصلاح والذكاء الاصطناعي : ورغم انتقاداته للمنظومة المالية، أكد هو أنه لا يزال متفائلا بمستقبل الاقتصاد الصيني ويؤمن باستمرار توجهات الإصلاح والانفتاح. وأوضح أن شركة بريمافيرا تواصل الاستثمار في الصين، حتى في القطاعات الاستهلاكية التي تمر بفترة تباطؤ، مشيرا إلى أن تحقيق العوائد بات يعتمد بصورة أكبر على تحسين الكفاءة التشغيلية وضبط التكاليف بدلاً من انتظار انتعاش اقتصادي واسع. وربط تعافي ثقة المستهلكين بعاملين رئيسيين : ـ قدرة خريجي الجامعات على إيجاد وظائف . ـ استقرار سوق العقارات بعد سنوات من الضغوط . ودعا الحكومة إلى تعزيز الإنفاق الاستهلاكي عبر ثلاثة مسارات تشمل .. 1 ـ توفير سياسات أكثر استقرارا وشفافية للقطاع الخاص . 2 ـ توسيع شبكة الأمان الاجتماعي. 3 ـ إعادة بناء سوق الائتمان الاستهلاكي الذي تعرض لقيود تنظيمية خلال السنوات الماضية. وفي الوقت نفسه، تواصل بريمافيرا ضخ استثماراتها في الذكاء الاصطناعي عبر مطوري النماذج اللغوية الضخمة، والروبوتات والأتمتة، والبنية التحتية للطاقة، بما في ذلك مشروعات الرياح وتخزين الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات. كما تراهن الشركة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتطوير قطاعات تقليدية مثل الرعاية الصحية والتعليم والتصنيع، معتبرة أن القيمة الحقيقية للتكنولوجيا ستظهر من خلال رفع كفاءة الاقتصاد القائم، وليس فقط عبر إنشاء شركات تقنية جديدة. ـ طفرة الذكاء الاصطناعي تتحول من قصة رقائق إلى سباق على الكهرباء : ـ مركز بيانات واحد قد يستهلك من الكهرباء ما تستهلكه مدينة بأكملها .. عندما نتحدث عن طفرة الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار عادة إلى الرقائق الإلكترونية، وإلى شركات مثل "إنفيديا"، لكن المستثمرين بدأوا مؤخرا بطرح سؤال مختلف تماما: من أين ستأتي كل الكهرباء اللازمة لتشغيل هذه الثورة؟. فالذكاء الاصطناعي لا يعيش في السحابة كما قد يوحي اسمه، بل يحتاج إلى مبان ضخمة، وأنظمة تبريد، ومحطات توليد، ومحولات وشبكات كهرباء تعمل على مدار الساعة، ولهذا بدأ جزء من أموال المستثمرين يتحرك بعيدا عن الشركات التي تصنع الرقائق، باتجاه الشركات التي تنتج الطاقة وتنقلها وتوزعها. الأرقام تكشف حجم هذا التحول، فخلال النصف الأول من 2026، جمعت شركات الطاقة التي طرحت أسهمها في الأسواق الأميركية نحو 12.6 مليار دولار، حسب تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز". وهذا ليس رقما عاديا، فهو أعلى مستوى مسجل في النصف الأول من أي عام، وأكبر موجة من هذا النوع منذ ذروة فقاعة الإنترنت في نهاية التسعينيات، وللمقارنة، لم تجمع طروحات الطاقة طوال عام 2025 سوى 4.3 مليار دولار، أي أن الشركات جمعت خلال ستة أشهر فقط ما يقارب ثلاثة أضعاف ما جمعته في العام السابق بأكمله. والسبب واضح: مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أصبحت من أكبر مستهلكي الكهرباء في العالم، فبحسب التقديرات الواردة في تقرير "فاينانشال تايمز"، يستهلك مركز بيانات نموذجي مخصص للذكاء الاصطناعي نحو 876 ألف ميجاواط ساعة سنويا، وهذه كمية تكفي تقريبا لتغطية الاستهلاك المنزلي لمدينة بحجم جلاسكو في اسكتلندا، تخيلوا أن مبنى واحد أو مجموعة مبان تضم الخوادم يمكن أن تستهلك من الكهرباء ما تستهلكه مدينة كاملة. ـ ارتفاع الطلب على الكهرباء : لا يبدو أن الطلب سيتوقف عند هذا الحد، فمن المتوقع، بحسب التقرير، أن يرتفع الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة بنحو 39% بين عامي 2026 و2035، ويعود جزء كبير من هذه الزيادة إلى التوسع السريع في مراكز البيانات. وهنا تظهر المشكلة الأساسية: شركات التكنولوجيا قد تملك المال والرقائق والخوادم، لكنها لا تستطيع تشغيلها من دون الكهرباء، لذلك بدأ المستثمرون يتجهون إلى الشركات التي توفر البنية التحتية المحيطة بالذكاء الاصطناعي. من بين هذه الشركات "Forgent Power Solutions" التي تصمم وتصنع معدات توزيع الكهرباء المستخدمة في مراكز البيانات، فالشركة جمعت نحو 1.7 مليار دولار في طرحها العام خلال فبراير 2026 ، مستفيدة من الطلب القوي وفترات الانتظار الطويلة للحصول على المحولات الكهربائية ومعدات الحماية والتوزيع. ـ تقييمات شركات الطاقة : المستثمرون يرون أيضا أن تقييمات شركات الطاقة لا تزال أقل من تقييمات شركات التكنولوجيا، فقطاع الطاقة يتداول عند مضاعف ربحية يبلغ 18 مرة، بينما يصل مضاعف الربحية في قطاع تكنولوجيا المعلومات إلى قرابة 40 مرة، حسب بيانات "بلومبرغ". لكن القصة ليست وردية بالكامل، فرغم الإقبال الكبير على طروحات الطاقة، إلا أن نحو ثلثي الشركات التي دخلت السوق خلال العام الحالي والعام الماضي أصبحت تتداول بأقل من سعر الطرح. ـ تطوير مفاعلات نووية صغيرة : شركة "X-energy" التي تطور مفاعلات نووية صغيرة وتحظى بدعم من "أمازون"، أصبحت على سبيل المثال تتداول بنحو 33% أقل من سعر طرحها البالغ 23 دولارا، وهنا يجب التمييز بين نوعين من الشركات، شركات مثل "Forgent" تستفيد من طلب قائم على معدات مراكز البيانات، وأخرى مثل "X- energy" تراهن على تقنيات مستقبلية لا تزال بحاجة إلى سنوات لإثبات جدواها التجارية. بمعنى آخر، ليس كل سهم يحمل لافتة "الطاقة" أو "الذكاء الاصطناعي" فرصة استثمارية ناجحة، فبعض الشركات تستفيد من طلب حقيقي موجود الآن، بينما يعتمد بعضها الآخر على وعود قد تتحقق مستقبلا، وقد لا تتحقق. الخلاصة أن طفرة الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد قصة عن البرمجيات والرقائق، إنها أيضا قصة عن الكهرباء، ومحطات التوليد، والمحولات، وشبكات النقل، فكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاء، أصبح أكثر تعطشا للطاقة.
|
|||||||||||||||