أبحاث


كتب فاطيمة طيبى
15 ديسمبر 2025 3:09 م
-
النحاس..الوقود الخفي لطفرة الذكاء الاصطناعي وضروري في عملية تحول الطاقة

النحاس..الوقود الخفي لطفرة الذكاء الاصطناعي وضروري في عملية تحول الطاقة

اعداد ـ فاطيمة طيبي

بات الذكاء الاصطناعي يعتمد، بشكل متزايد، على موارد مادية صلبة ربما تقف في قلب هذه القفزة التكنولوجية غير المسبوقة. في مقدمة هذه الموارد يبرز النحاس أو "المعدن الأحمر" بوصفه الشريان الخفي الذي يغذي مراكز البيانات العملاقة، وشبكات الكهرباء الذكية، والبنية التحتية اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.

ومع تسارع التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتنامي الطلب على الطاقة النظيفة، وتوسع سباق بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، يتصاعد الطلب على النحاس بوتيرة غير مسبوقة، في وقت يواجه فيه المعروض تحديات هيكلية متزايدة، لا سيما وأن المناجم القديمة تتراجع إنتاجيتها والمشروعات الجديدة تصطدم بتعقيدات بيئية وتمويلية وتنظيمية، ما يفتح الباب واسعا أمام فجوة متوقعة بين العرض والطلب خلال السنوات المقبلة.

في ظل هذه المعادلة المختلة، يتحول النحاس من مجرد معدن صناعي إلى مورد استراتيجي شديد الحساسية، يتقاطع مع رهانات التحول الرقمي وأمن الطاقة وإعادة التسلح العالمي، وسلاسل الإمداد.

 ـ الطلب على النحاس :

بحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، فإن: الطلب على النحاس يزداد بفضل إنشاء البنية التحتية للشبكات الكهربائية لتحقيق التحول الأخضر ولتزويد مراكز البيانات بالطاقة اللازمة للذكاء الاصطناعي. كما تحتاج هذه المراكز إلى ما بين 27 و33 طنا من النحاس لكل ميجاواط من الطاقة، وفقا لشركة التعدين "جروبو مكسيكو"، أي ما يزيد عن ضعف احتياجات مراكز البيانات التقليدية.

كما قدرت شركة  BHP، أكبر مجموعة تعدين في العالم من حيث القيمة السوقية ومساهم في شركة Resolution، في يناير 2025  أن كمية النحاس المستخدمة في مراكز البيانات في جميع أنحاء العالم سوف تنمو "ستة أضعاف بحلول عام  2050.

وفي سياق متصل يشير التقرير إلى التوجه نحو إعادة التسلح العالمي، لينقل عن رائد أعمال التعدين، روبرت فريدلاند، قوله: "هناك طلب كبير على النحاس مخفي. ولا يكشف علنا عن الاحتياجات العسكرية للنحاس". بينما يقدر محللون في بنك سوسيتيه جنرال أن الإنفاق الدفاعي العالمي سينمو بنسبة 9.4% ليصل إلى 2.7 تريليون دولار في عام 2024.

لكن المناجم القائمة، التي يعود تاريخ بعضها إلى أكثر من قرن، أصبحت قديمة وأقل إنتاجية، بينما يزداد العثور على رواسب كبيرة غير مستغلة صعوبة. وفي السنوات الأخيرة، لم يبن سوى عدد قليل من المناجم الجديدة، كما يقول تشارلز كوبر، رئيس أبحاث النحاس في وود ماكنزي.

ـ يسعى المنتجون إلى الاندماج لزيادة احتياطياتهم وخفض التكاليف :

كما ذكرت ايضا  وكالة الطاقة الدولية هذا العام أنه بحلول عام 2035، سيغطي إنتاج المناجم القائمة والمخطط لها 70 % فقط من الطلب العالمي. ويسعى المنتجون الحاليون إلى الاندماج لزيادة احتياطياتهم وخفض التكاليف.

ويتوقع المحللون حدوث عجز في هذا العام، حيث توقعت شركة الاستشارات وود ماكنزي عجزا قدره 304 آلاف طن من النحاس المكرر في عام 2025، وهي فجوة تقول إنها ستتسع في عام 2026. ويقول كوبر: "التعدين هو الخطوة التي تحدد معدل التحول في مجال الطاقة".

ـ سعر النحاس :

بالنسبة للأسعار، سجل النحاس سلسلة من الارتفاعات القياسية منذ أكتوبر 2024  . ويبلغ سعر بورصة لندن للمعادن حاليا أكثر من 11 ألف دولار للطن، مقارنة بنحو 8500 دولار قبل عامين.

ـ مراكز البيانات :

يقول أستاذ علم الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في السيليكون فالي كاليفورنيا، الدكتور حسين العمري، لموقع "لمصدر اقتصادي اعلامي عربي : انه مع طفرة الذكاء الاصطناعي، يتحول "المعدن الأحمر" إلى عصب خفي لهذه الثورة الرقمية. وكل نموذج لغوي ضخم، وكل مركز بيانات مكدس بخوادم الذكاء الاصطناعي، يحتاج إلى كيلومترات من الكابلات والمحولات وأنظمة التبريد، وجميعها تعتمد على النحاس بوصفه أفضل ناقل كهربائي متاح على نطاق صناعي.

بينما التقديرات تشير إلى أن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تستهلك عشرات الآلاف من الأطنان من النحاس للمركز الواحد، وأن الطلب على النحاس في مراكز البيانات قد يقفز إلى ما يعادل إنتاج أكبر أربعة مناجم نحاس في العالم مجتمعة. في المقابل، يواجه العرض سقفا صلبا؛ المناجم الحالية تتقدم في العمر، وجودة الخام تتراجع، والمشروعات الجديدة تصطدم بتكاليف رأسمالية ضخمة، وتعقيدات بيئية، واعتراضات مجتمعات محلية، ما يجعل دورة تطوير منجم جديد تمتد لعشر سنوات أو أكثرويضيف: هذا الجمود في الإمدادات، مع تسارع الطلب من مراكز البيانات والشبكات الخضراء والسيارات الكهربائية، يضع سوق النحاس في حالة "عجز بنيوي" متوقع خلال العقد القادم، مع تحذيرات من وصول الفجوة إلى ملايين الأطنان بحلول منتصف الثلاثينيات.

لذلك، يصبح سؤال "البحث عن النحاس" بالنسبة لصناعة الذكاء الاصطناعي سؤالا وجوديا وليس تفصيلا تقنيا. فبدون استثمارات سريعة في التعدين وإعادة التدوير وتقنيات الاستخلاص الجديدة، مثل التعدين الحيوي بالميكروبات، قد تجد الشركات أن عقبة النحاس لا تقل خطورة عن نقص الرقائق أو الكهرباء. عندها لن يكون التحدي تدريب نماذج أذكى، بل تأمين ما يكفي من النحاس والأسلاك والمحولات لربط هذه النماذج بشبكات كهرباء تستطيع تحمل الصدمة الرقمية المقبلة.

ونقلت بلومبيرغ عن الرئيس العالمي السابق لأبحاث السلع الأساسية في جولدمان ساكس، جيف كوري، قوله إنه يتوقع أن تحقق السلع الأساسية مكاسب كبيرة من الطفرة في مراكز البيانات . وحدد أربعة مجالات على وجه الخصوص يمكن أن تشارك فيما يراه سوقا صاعدة متوسعة في السلع الأساسية: الغاز الطبيعي ، والمعادن الأساسية، والمعادن الثمينة ، والنفط الخام .

يعود ذلك إلى حد كبير إلى أن هذه الاستثمارات تعد بمثابة المواد الخام التي تعيق بناء المزيد من مراكز البيانات ، كما قال.  ويشدد على أن المعادن الأساسية، مثل الفولاذ والنحاس  تدخل في تكوين مكونات مركز البيانات مثل توربينات الغاز وشبكة الطاقة.

ـ طفرة هائلة :

من جانبه، يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بجامعة سان هوزيه الحكومية في ولاية كاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، الطفرة الهائلة التي يشهدها العالم في مجال الذكاء الاصطناعي تكشف اليوم عن حقيقة جوهرية كثيرا ما يتم تجاهلها، وهي أن هذه الثورة الرقمية تقوم في أساسها على موارد مادية ملموسة، وفي مقدمتها معدن النحاس، الذي بات يشكل العمود الفقري للبنية التحتية التي تشغل الخوارزميات العملاقة ومراكز البيانات حول العالم.

ويوضح أن  مراكز البيانات تمثل القلب النابض لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إذ تحتاج إلى تدفقات كهربائية هائلة لتشغيل الخوادم المتقدمة وأنظمة التبريد وضمان استمرارية العمل دون انقطاع. جميع هذه المنظومات تعتمد بشكل رئيسي على الكابلات والأسلاك النحاسية نظرا لكفاءتها العالية في نقل الطاقة، وهو ما يفسر القفزة الكبيرة في الطلب العالمي على النحاس مع التوسع السريع في بناء مراكز بيانات جديدة. والتحول المتسارع نحو الطاقة المتجددة، ضمن استراتيجيات شركات التكنولوجيا الكبرى لتحقيق الحياد الكربوني، يعزز من الأهمية الاستراتيجية للنحاس، إذ تعتمد أنظمة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وشبكات تخزين الكهرباء بصورة مكثفة على هذا المعدن، ما يضعه في قلب التقاطع بين الابتكار الرقمي والاستدامة البيئية.

يحذر بانافع من أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الطلب المتصاعد بقدر ما يتمثل في محدودية الإمدادات، مشيرا إلى أن إنتاج المناجم يعاني تباطؤا واضحا بفعل تراجع جودة الخام في المناجم الحالية، وارتفاع التكاليف التشغيلية، فضلا عن التعقيدات البيئية والتنظيمية التي تؤخر إطلاق مشاريع تعدين جديدة، مؤكدا أن الفجوة بين العرض والطلب مرشحة للاتساع بشكل مقلق خلال السنوات المقبلة.

كما يؤكد أن التقديرات تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي وحده قد يضيف ملايين الأطنان من الطلب السنوي على النحاس بحلول عام 2030، دون احتساب الطلب المتزايد من السيارات الكهربائية ومشاريع البنية التحتية للطاقة النظيفة، محذرا من أن هذا الضغط قد يقود إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار، بما ينعكس مباشرة على كلفة إنشاء وتشغيل مراكز البيانات، وقد يؤثر على وتيرة التقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي نفسها.

ويشير بانافع إلى أن هذا الواقع يفرض تحديات متعددة المستويات، إذ قد تضطر الشركات التكنولوجية إلى إعادة النظر في خططها التوسعية، أو الاتجاه نحو حلول بديلة تشمل رفع كفاءة استخدام النحاس، وتعزيز الاعتماد على المواد المعاد تدويرها، في وقت قد تتأثر فيه أيضا المشاريع البيئية إذا أصبح النحاس عنصر كلفة عائقا أمام تنفيذ خطط الطاقة المتجددة. ومن ثم، فإن النحاس لم يعد مجرد معدن صناعي تقليدي، بل تحول إلى مورد استراتيجي عالمي تتنافس عليه الدول والشركات كما تنافست سابقا على مصادر الطاقة، وفق بانافع الذي يوضح أن القدرة على امتلاك احتياطيات كبيرة من النحاس أو استخراجه بكفاءة قد تشكل أحد عناصر التفوق الجيوسياسي في عصر أصبح فيه الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد العالمي، مضيفا أن سباق النحاس اليوم ليس مسألة تعدين فحسب، بل صراع على مفاتيح المستقبل الرقمي ذاته.

ـ كيف تغلبت اليابان على نفوذ الصين في المعادن النادرة؟ :

أظهرت هيمنة الصين على سوق المعادن أنها يمكن أن تكون مصدر نفوذ استراتيجي، مما وضع الدول التي تعتمد عليها في موقف معقد. في هذا السياق، تبرز قصة اليابان والولايات المتحدة كنموذجين متناقضين للاستجابة.

فبينما تحركت طوكيو بسرعة عبر سياسات منسقة لتأمين مستقبلها التكنولوجي، بدا أن واشنطن تكتفي بردود فعل متأخرة. فما الذي جعل اليابان أكثر استعداداً لمواجهة هذا التحدي؟ وهل يمكن لأميركا أن تتعلم من تجربة حليفتها لكسر هيمنة بكين؟

في عام 2010، سلّطت دراسة حكومية أميركية، بتكليف من الكونجرس، الضوء على كيف أن هيمنة الصين في سوق المعادن النادرة منحتها القدرة على التأثير على العرض والأسعار العالمية. وأظهرت الدراسة أن إعادة بناء سلسلة توريد المعادن النادرة في الولايات المتحدة قد تستغرق ما يصل إلى 15 عاما.

لكن واشنطن لم تنظم عملية إعادة بناء كهذه، على الرغم من أهمية المغناطيسات المصنوعة من المعادن النادرة في عدد لا يحصى من المنتجات الدفاعية والاستهلاكية. والنتيجة، استغلت بكين هيمنتها بالفعل للتأثير على العرض. وقد ثبت أن هذا النفوذ حاسم عندما فرض الرئيس دونالد ترامب تعرفات جمركية باهظة على الصين كجزء من حربه التجارية العالمية، وساعد في إجبار واشنطن على الهدنة التي هي قائمة الأن، وذلك بحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ"

وعلى الجانب الآخر، أوضح التقرير أن اليابان أظهرت استجابة مختلفة تماما. فبعد أشهر قليلة من صدور التقرير الأميركي، تلقت طوكيو درسا مباشرا عندما استخدمت الصين نفوذها لتقييد صادرات المعادن النادرة خلال نزاع حول السيادة في بحر الصين الشرقي. في ذلك الوقت، كانت اليابان تعتمد على الصين للحصول على حوالي 90 % من احتياجاتها. هذا الموقف دفع صانعي السياسات في طوكيو لاتخاذ إجراءات منسقة وسريعة بقيادة وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة METI.

4 استراتيجيات للنهج الياباني ..

ولخص التقرير النهج الياباني في أربع استراتيجيات رئيسية ...

ـ : تنويع مصادر الإمداد.

ـ إعادة تدوير المواد.

ـ تقليل كثافة الاستخدام.

ـ تحديد بدائل مناسبة.

ونظراً لعدم امتلاكها موارد طبيعية كافية، قامت اليابان بتمويل مشاريع مشتركة مع حلفاء مثل أستراليا، وخصوصا شركة "لايناس للمعادن النادرة المحدودة" (Lynas Rare Earths Ltd.)، لضمان استمرارية الإمداد من مصادر غير صينية. كما عملت على التنسيق بين شركات القطاع الخاص، وسنت تشريعات لتسريع الواردات وبناء احتياطيات استراتيجية.

وأضاف التقرير: "بفضل هذا النهج الشامل، تمكنت اليابان من تقليص اعتمادها على المعادن النادرة من الصين إلى 60 %، وتستهدف الوصول إلى أقل من 50 % بنهاية عام 2025. وفي المقابل، بينما اتخذت وزارة الدفاع الأميركية بعض الإجراءات لمعالجة نقاط الضعف الدفاعية، فإن جهودها لم تتجاوز القاعدة الصناعية الأوسع. ويرى الخبراء أن الشركات الأميركية ستستمر في شراء المعادن والمغناطيسات من الصين ما دامت هذه المصادر أكثر فعالية من حيث التكلفة، مما يبقي الولايات المتحدة عرضة للنفوذ الاقتصادي الصيني.

بدوره، يقول كريس كينيدي، المسؤول عن المهارات الاقتصادية في بلومبرغ إيكونوميكس: "إن وزارة الدفاع الأميركية ستظل تركز على احتياجاتها الضيقة. كما أن الاستراتيجية التي تركز على الداخل تفشل في الاستفادة القصوى من موارد وقدرات حلفاء وشركاء الولايات المتحدة، مثل أستراليا". ويضيف كينيدي: "نحن لا نصلح المشكلة الأساسية، ستواصل الشركات الأميركية شراء المعادن والمغناطيسات من الصين طالما أن ذلك أكثر فعالية من حيث التكلفة".

 

 


أخبار مرتبطة
 
10 مارس 2026 12:16 ممتخصص بأسواق الطاقة: الدول الصناعية الكبرى تتأهب للتدخل لتفادي صدمة نفطية جديدة9 مارس 2026 12:55 متحركات لمواجهة قفزة أسعار النفط والتوتر في الشرق الأوسط7 مارس 2026 11:39 صحرب إيران تدفع الصين للاعتماد على النفط الروسي.. 13% واردات من طهران3 مارس 2026 11:42 ص"هرمز".. شريان العالم يعود إلى دائرة الضوء بسبب التوتر الإيراني الأمريكي2 مارس 2026 11:18 صتاثير ضرب إيران على سوق المال والمعادن والنفط28 فبراير 2026 10:44 صاقتصادي فرنسي: بيتكوين تدخل مرحلة جديدة هل ستكون بديلا للنظام المالي التقليدي24 فبراير 2026 10:22 صقانون اتحاد المطورين لتنظيم سوق العقار يستبعد وضع ضوابط لتسعيرالوحدات22 فبراير 2026 11:04 صمن يدفع ثمن المليارات المفقودة بعد الغاء المحكمة العليا الرسوم الجمركية الشاملة16 فبراير 2026 10:36 صفي ختام "الاجتماع الوزاري للمعادن الحيوية.. واشنطن تدشن"دبلوماسية المعادن" مع دول شريكة15 فبراير 2026 12:25 ممنافسة الشركات العقارية على اقتناص الكوادر خاصة في التخصصات الفنية والاستثمارية

التعليقات