تحليلات
كتب فاطيمة طيبى 4 يناير 2026 12:51 م - التعليقات آثار القبض على "مادورو" على الاقتصاد الفنزويلي وعلى أسعار النفط
اعداد ـ فاطيمة طيبي في تحول درامي للأحداث، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب 3 من يناير 2026 ، أن القوات الأميركية نفذت عملية واسعة النطاق في فنزويلا، تمكنت خلالها من القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما خارج البلاد. وأُبلغ عن انفجارات في أنحاء كاراكاس، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي في بعض مناطق العاصمة، في حين سارع المسؤولون الفنزويليون للتعامل مع الموقف. وتأتي هذه العملية كتصعيد حاد للتوترات الطويلة بين واشنطن وكاراكاس، التي تفاقمت على خلفية اتهامات بتزوير الانتخابات، وتهريب المخدرات، وانتهاكات حقوق الإنسان تحت حكم مادورو. لكن الصورة على الأرض ما زالت ضبابية .. فمسؤولون في كاراكاس تحدثوا عن "هجوم" وطالبوا بإثباتات حول مصير مادورو، فيما لا يزال سؤال "من يدير الدولة فعليا الآن؟" محوريا في تقييم الأثر الاقتصادي الفوري . ـ أولا: الأثر المباشرعلى اقتصاد فنزويلا : فراغ القيادة" يساعد على رفع علاوة المخاطر فورا، إذ أن أي اقتصاد يعاني أصلا من شح التمويل وثقة المستثمرين - مثل فنزويلا- يتأثر سريعا عند حدوث انتقال سياسي قسري أو غير واضح . وتشمل النتيجة المتوقعة خلال الأيام الأولى اندفاع نحو الدولار وارتفاع علاوة المخاطر على التعاملات، وتعطل جزئي للنشاط التجاري في العاصمة ومناطق التوتر، مع صعوبات لوجستية وانقطاعات محتملة للكهرباء والاتصالات (بحسب تقارير عن انفجارات وأضرار) . كما تشمل التأثيرات المباشرة تجميد قرارات الشركات سواء الاستيراد، التسعير أو التوظيف إلى حين اتضاح السلطة التنفيذية والقواعد الأمنية. ـ مزيد من التشدد من البنوك والتجارة الخارجية.. : مع تصاعد المخاطر السياسية والعسكرية تميل المصارف وشركات التحويل إلى تشديد الامتثال خشية العقوبات أو اضطراب السلطات المحلية. وقد يرفع الموردون أسعار التأمين أو يطلبون الدفع مقدما ما يعني كلفة أعلى على الاستيراد والسلع الأساسية.
ـ السيناريو الأكثر خطرا.. اضطراب أمني وإداري طويل المدى : إذا تحولت الصدمة إلى صراع على الشرعية أو انقسام في مؤسسات الدولة، قد يتسبب في اضهار أثر أعمق، وايضا قد يتراجع التحصيل الضريبي والإيرادات. اضف اليه انه في حال طالت الأزمة قد تنقص السلع ويرتفع التضخم وتتسارع هجرة رأس المال والعمالة الماهرة .
ـ ثانيا : قطاع النفط الفنزويلي : نقلت مصادر اعلامية دولية عن مصادر مطلعة أن شركة النفط الوطنية "PDVSA" لم تتعرض ( وفق تقييمات أولية ) لضرر في الإنتاج أو التكرير جراء هجمات الثالث من يناير، ما يعني أن الأثر الفوري قد يكون سياسيا لوجستيا أكثر من كونه فنيا . ـ الخطر الحقيقي على الشحن والتأمين : حتى لو ظلت الحقول والمصافي تعمل، فإن التصدير يمكن أن يتأثر عبر ارتفاع تكلفة التأمين على السفن المتجهة لموانئ فنزويلا.وقد تتردد شركات الشحن في تحميل الخام، فيما قد تظهر تعقيدات في الدفع والتحصيل بسبب العقوبات أو التصعيد. وهنا يدخل عامل مهم سبق هذه التطورات: الولايات المتحدة كانت قد صعدت الضغط على صادرات فنزويلا عبر حصار وحظر على ناقلات خاضعة لعقوبات خلال الأسابيع الماضية، وهو ما كان يضيف أصلا "علاوة مخاطر" على نفط فنزويلا. ـ ثالثا : كيف تتحرك أسعار النفط عالميا؟ : تقول القاعدة الأساسية إن أي صدمة في دولة نفطية ستؤدي إلى قفزة في المخاطر. وعادة ما تسعر الأسواق وذلك فوران يكون هناك احتمال تعطل الإمدادات، مع تشديد العقوبات واضطراب الملاحة والتأمين. وقد بدأت 2026 وسط مناخ "مخاطر جيوسياسية" رفع الأسعار قليلا في أولى جلسات العام . ـ لماذا قد يكون الأثر "محدودا " هذه المرة : وفق تقييمات خبراء نقلتها "The National"، قد يكون تأثير الهجوم على أسعار النفط محدودا نسبيا إذا لم تتضرر البنية النفطية وظلت الصادرات تتحرك مع بقاء الفائض حبث ان توقعات الوفرة العالمية تضغط على الأسعار. وفيما يمثل القبض على مادورو صدمة سياسية - أمنية لفنزويلا قبل أن يكون صدمة فنية لقطاع النفط فإن استمرار تدفق النفط يعتمد أقل على "سلامة المصافي" وأكثر على قدرة الدولة على إدارة الموانئ والشحن والتأمين والتحصيل وسط تصعيد دولي واسع وردود فعل متباينة. ـ تصريح من النفط" الفنزويلية: بان ميناء لاجوايرا تعرض لأضرار بالغة جراء الهجمات الأميركية الا ان عمليات إنتاج النفط والتكرير تسير بشكل طبيعي .. هذا وقال مسؤولون تنفيذيون في شركة النفط الحكومية الفنزويلية، إن ميناء لا جوايرا تعرض لأضرار بالغة جراء الهجمات الأميركية، إلا أن المنشآت النفطية لم تتعرض لأي أضرار. وذكر المسؤولون أن شركة النفط الحكومية أخبرت موظفيها أن عمليات الإنتاج والتكرير تسير بشكل طبيعي. ـ ترامب يدعو الشركات لإعادة تأهيل البنية التحتية النفطية لفنزويلا : لكن ترامب لم يخف رغبته في السيطرة على النفط الفنزويلي، وقال في تصريحات متلفزة، إن الإدارات السابقة تخلت عن حق الولايات المتحدة في النفط الفنزويلي ويجب استعادته. فنزويلا ليست منتجا عاديا للنفط، بل إنها كنز النفط العالمي الأكبر على الإطلاق مع احتياطيات مؤكدة تتجاوز 303 مليار برميل نفط، تضعها في المرتبة الأولى عالميا. تشكل فنزويلا 18% من الاحتياطيات العالمية للنفط، إلا أن إنتاجها يعاني بسبب العقوبات الدولية والفساد والانهيار الاقتصادي. كما دخلت فنزويلا في صراع مؤخرا مع دولة جوايانا بعد الاكتشافات النفطية الضخمة هناك والتي قدرت بحسب "ريستاد إنرجي" بنحو 13 مليار برميل من المكافئ النفطي. ـ الدول الخمس وتأثيرها العالمي : 1 ـ فنزويلا 303 مليار برميل . 2 ـ السعودية 267 مليار برميل . 3 ـ إيران 209 مليار برميل . 4 ـ كندا 168 مليار برميل مرتفع في تكلفة الاستخراج . 5 ـ العراق 145 مليار برميل . الخطوة المفاجئة لإدارة ترامب بالاقتحام والاعتقال تأتي في سياق السيطرة على موارد فنزويلا من النفط. في مؤتمر صحفي، صرح ترامب أن الولايات المتحدة ستقوم بإدارة مؤقتة لفنزويلا بهدف ترميم بنيتها التحتية النفطية. كما قال ترامب إنه سيوجه الدعوة لأكبر شركات النفط الأميركية للاستثمار وإعادة الإنتاج، وكسب الأرباح. وتحتل الولايات المتحدة المرتبة العاشرة في ترتيب أكبر احتياطيات النفط العالمية، ومعظمها مركز في بئر برميان عبر مخزونات النفط الصخري، بالإضافة إلى منطقة خليج المكسيك، بإجمالي يصل إلى 38.2 مليار برميل.
لكن في المقابل تعد الولايات المتحدة أكبر دول العالم استهلاكا للنفط وأكبر منتج في الوقت نفسه، ما يجعل فوائضها القابلة للتصدير محدودة مقارنة بقائمة العشر دول الأكبر إنتاجا للنفط. فيما تمثل السيطرة على نفط فنزويلا فرصة لإعادة ترتيب الثروات والفوائض. ـ عقوبات واشنطن على شركات صينية مرتبطة بتصدير النفط الفنزويلي : في ظل الحصار الأميركي لصادرات النفط الفنزويلي، يجبر تراكم مخزونات الوقود "المتبقي" في خزانات النفط البرية الفنزويلية، شركة النفط الحكومية على إرسال الوقود المتبقي إلى أحواض نفايات النفط في المنطقة الغربية من البلاد. وتنتج فنزويلا في الغالب نفطا خاما ثقيلا جدا يحتاج إلى التخفيف قبل النقل، ويعالج في مصافي تكرير معقدة، وهي بذلك تنتج أيضا كميات كبيرة من بقايا الوقود، ولا سيما زيت الوقود عالي الكبريت، الذي يصدر عادة إلى آسيا. من ناحية أخرى، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على شركات صينية وناقلات نفط، بتهمة الالتفاف على القيود المفروضة على صادرات النفط الفنزويلية. وقالت وزارة الخزانة الأميركية إن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية أدرج أربع شركات مقرها الصين وهونغ كونغ على لائحة العقوبات، إلى جانب أربع ناقلات نفط مرتبطة بهذه الشركات. وأوضحت الوزارة أن السفن المستهدفة تستخدم ضمن ما وصفته بـ"أسطول الظل" الذي تعتمد عليه فنزويلا للتهرب من العقوبات وتوفير موارد مالية لحكومة الرئيس نيكولاس مادورو. ويأتي هذا التحرك في وقت تعد فيه الصين أكبر مشترٍ للنفط الفنزويلي، الذي يشكل نحو 95% من إيرادات البلاد. ـ توظيف واشنطن لمصادرة ناقلات نفط فنزويلا في صراعها مع الصين : وتستحوذ الصين على 76% من صادرات النفط الفنزويلي الثقيل... هذا وفي اواخر شهر ديسمبر من 2025 صادرت الولايات المتحدة ناقلة نفط تحمل الخام الفنزويلي الخاضع للعقوبات، في إطار حملة متصاعدة تستهدف ما يعرف بـ"أسطول الظل" الذي ينقل النفط إلى الأسواق العالمية، وعلى رأسها الصين. قد تؤدي الحملة الأميركية المتصاعدة لمصادرة ناقلات النفط الفنزويلية إلى تصعيد التوترات بين الولايات المتحدة والصين، إذا ما طالتها هذه الحملة العسكرية. أوقفت السبت 20 ديسمبر 2025 الناقلة "Centuries" التي ترفع علم بنما، بعد تحميلها شحنة من خام "ميري" الفنزويلي، ما أثار غضب بكين التي اعتبرت الإجراء انتهاكا للقانون الدولي. هذه العملية تأتي ضمن سياسة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرامية إلى خنق صادرات النفط الفنزويلي، في محاولة لتضييق الخناق على نظام نيكولاس مادورو. كما أشار خبراء الشحن البحري إلى أن واشنطن استندت في هذه المصادرة إلى اتفاقية "سالاس- بيكر" الموقعة عام 2002، والتي تمنحها حق تفتيش السفن التي ترفع علم بنما خلال ساعتين من الإخطار. وبحسب بيانات شركة "كبلر"، هناك 23 ناقلة ضمن "أسطول الظل" في المنطقة الاقتصادية الفنزويلية، ثلاث منها ترفع علم بنما وتحمل شحنات نفطية خاضعة للعقوبات، ما يجعلها أهدافا محتملة لعمليات مشابهة، وفقا لما ذكرته شبكة "CNBC" . قال كبير محللي المخاطر في "كبلر"، ديميتريس أمباتزيديس، إن ناقلات مثل "راجنار" و"بالسا" و"لاركو" التي غادرت فنزويلا منتصف ديسمبر 2025 ، تواجه خطر المصادرة إذا حاولت الإبحار نحو وجهاتها النهائية. لكن البعد الأخطر لهذه الحملة، وفق خبراء، يتمثل في انعكاساتها على الصين، التي تستحوذ على نحو 76% من صادرات النفط الفنزويلي المخفض السعر، وهو خام ثقيل يناسب مصافيها. "كلما طال أمد هذه العمليات، زادت الضغوط على بكين، التي ستضطر لتعويض النقص عبر شراء النفط الروسي أو من الشرق الأوسط بأسعار أعلى"، بحسب آرون روث، الخبير الأمني في مجموعة "تشيرتوف". أنتجت فنزويلا حتى الآن نحو 900 ألف برميل يوميا من الخام والمكثفات في 2025، أي ما يعادل 1% من الإمدادات العالمية، فيما تراجعت واردات الولايات المتحدة إلى نصف مستويات العام 2024، مقابل استمرار الصين في استيراد الحصة الأكبر. الناقلة "Centuries" ليست جديدة على هذه العمليات؛ فقد رصدتها "كبلر" سابقا وهي تنقل شحنات فنزويلية إلى ميناء يانتاي في الصين عام 2020، كما تورطت في عمليات نقل مشبوهة قبالة سواحل ماليزيا. بيانات الأقمار الصناعية أظهرت أن الناقلة أخفت موقعها عبر إشارات مموهة قبل تحميلها في ميناء "خوسيه" الفنزويلي، قبل أن تغادر متجهة نحو آسيا. إلى جانب البعد النفطي، تأتي هذه التطورات وسط خلافات أميركية- صينية حول النفوذ في قناة بنما، حيث تملك شركات صينية موانئ استراتيجية على طرفي القناة، في وقت تسعى واشنطن لإعادة فرض سيطرتها على الممر الحيوي. صفقة بيع موانئ "بالوا" و"كريستوبال" لشركات أميركية وأوروبية تعثرت بسبب اعتراضات بكين، التي تدفع باتجاه دخول شركة "كوسكو" الحكومية في الصفقة، ما يثير مخاوف أميركية من منح الصين "نقطة خنق" في سلاسل الإمداد العالمية. بدوره، يرى الرئيس التنفيذي لشركة "إكسيجر"، براندون دانيلز، أن استخدام واشنطن لاتفاقيات التفتيش مع بنما في هذه المصادرات قد يقرأ في بكين كجزء من معركة النفوذ على القناة. وقال دانيلز: "الصين قد تعتبر ذلك تجاوزا، لكن الولايات المتحدة تصفه بأنه مكافحة لتهريب النفط وتكتيكات أسطول الظل"، مضيفا أن بنما تحاول الحفاظ على حيادها رغم الضغوط المتزايدة من الطرفين. في المحصلة، تبدو أزمة ناقلات النفط الفنزويلية مرشحة لتتحول إلى ورقة ضغط في لعبة الشد والجذب بين واشنطن وبكين، حيث تختلط الجغرافيا السياسية بالمصالح الاقتصادية في واحدة من أكثر الملفات سخونة على خارطة الطاقة العالمية.
|
|||||||||||||||