تحليلات
كتب فاطيمة طيبى 15 فبراير 2026 10:23 ص - التعليقات الدولار الأميركي تحت الضغط والأسواق تترقب بقلق مسارات السياسة النقدية للبنوك المركزية
اعداد ـ فاطيمة طيبي الدولار الأميركي يواجه ضغوطا مستمرة في ظل توقعات الأسواق بشأن مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي، واحتمالات خفض أسعار الفائدة، مقابل توجه مغاير من بنوك مركزية كبرى أخرى. هذا ما قاله المدير التنفيذي العالمي لشركة "DB Investing فادي رياض موضحا أن استمرار النظرة السائدة في الأسواق حول مسار الفائدة الأميركية والسياسة النقدية المستقبلية للفيدرالي من شأنه أن يبقي الدولار تحت الضغط، مشيرا إلى أن الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول تعكس توجها واضحا نحو سياسة نقدية أكثر تيسيرا .كما أن الحديث المتزايد عن استبدال باول يأتي في إطار السعي لتعيين شخصية تتبنى نهجا داعما لخفض أسعار الفائدة، في وقت تتجه فيه بنوك مركزية أخرى إلى مسار معاكس، ما يزيد من حدة التباين في السياسات النقدية العالمية. وأشار إلى أن هذا التباين قد ينعكس بوضوح على أسواق العملات، لافتا إلى أن الين الياباني يحظى بعدة عوامل دعم خلال النصف الأول من العام، في ظل توقعات مؤسسات مالية كبرى، من بينها جيه بي مورجان وجولدمان ساكس وبنك أوف أميركا وإتش إس بي سي، بارتفاع الين مقابل سلة من العملات، وعلى رأسها الدولار. وذكر أن السياسة النقدية لبنك اليابان، رغم بطئها مقارنة بنظرائه من البنوك المركزية الكبرى، تسير في اتجاه واضح نحو رفع الفائدة، مع توقعات بإقدامه على رفع أو رفعين على الأقل خلال العام الجاري. وفي ما يتعلق باليورو، أكد رياض أن قوة العملة الأوروبية لا تعود فقط إلى توقعات تشديد السياسة النقدية من قبل البنك المركزي الأوروبي، بل أيضا إلى ضعف الدولار نفسه. وأوضح أن حتى في حال تأجيل قرار رفع الفائدة الأوروبية، فإن التوجه العام لا يزال قائما، وقد نشهد رفعا للفائدة في الربع الأخير من العام إذا ما دعمت البيانات الاقتصادية هذا المسار. ولفت إلى أن الأسواق، سواء على مستوى المستثمرين الأفراد أو المؤسسات، تترقب بقلق مسارات السياسة النقدية، في ظل وضوح التوجه نحو خفض الفائدة في الولايات المتحدة مقابل احتمالات التشديد في أوروبا واليابان، وهو ما يعزز التقلبات في سوق العملات العالمية. ـ جدل في سوق السندات الأميركية.. ومخاوف من استقلالية "الفيدرالي" : أثار كيفن وارش، المرشح لمنصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي، موجة واسعة من الجدل في وول ستريت بعد إحيائه فكرة اتفاق جديد بين البنك المركزي ووزارة الخزانة، على غرار الاتفاق التاريخي لعام 1951 الذي وضع حدا لتدخل الفيدرالي في تمويل ديون الحكومة. الطرح بدا للبعض تقنياً، لكنه بالنسبة لأسواق الدين الأميركية البالغة قيمتها 30 تريليون دولار يحمل دلالات قد تكون عميقة على مستقبل السياسة النقدية واستقلالية البنك المركزي. ـ عودة إلى اتفاق 1951.. ولكن بزمن مختلف: وارش الذي دعم علنا فكرة إعادة صياغة العلاقة بين المؤسستين، يرى أن الفيدرالي تجاوز حدود ذلك الاتفاق خلال الأزمات الأخيرة، بعدما ضخ تريليونات الدولارات في شراء السندات عقب الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا، بحسب ما نقلته "بلومبرغ". ومع ترشيح الرئيس دونالد ترامب للرجل البالغ 55 عاما، فتح الاب امام تساؤلات المستثمرين في كيفية ظهور ذلك الاتفاق الجديد . وحتى الآن، لم يقدم لا وارش ولا وزير الخزانة سكوت بيسنت تفاصيل واضحة. لكن وارش قال في مقابلة مع شبكة "CNBC" إن الاتفاق يمكن أن يحدد "بوضوح وتعمد" حجم ميزانية الفيدرالي، بينما توضح الخزانة خططها لإصدار الديون. ويبقى السؤال الذي يقلق الأسواق: هل قد يظل ذلك مجرد تعديل بيروقراطي بسيط، أم يمهد لتغييرات جوهرية قد تزيد التقلبات وربما تهدد استقلالية البنك المركزي الأميركي؟ ـ تأثير ترامب.. الدين العام أولاً : ترامب كان قد لمح العام الماضي 2025 إلى أن من واجب الفيدرالي وضع كلفة الدين الحكومي في اعتباره عند تحديد الفائدة. وحاليا تتجاوز نفقات خدمة الدين تريليون دولار سنويا ـ أي نصف العجز الفدرالي تقريبا . هذا الربط بين السياسة النقدية والمالية يعيد إلى الأذهان ما قبل 1951، حين فرضت الحكومة سقوفا على عوائد السندات لخفض كلفة الاقتراض خلال الحرب العالمية الثانية. تلك السياسات انتهت باندلاع موجة تضخم مرتفعة أجبرت إدارة ترومان لاحقا على منح الفيدرالي استقلاله الكامل. يرى وارش أن برامج التيسير الكمي الواسعة كسرت تلك المبادئ وشجعت الحكومة على الاقتراض المفرط. وفي الوقت نفسه، يهاجم بيسنت ـ وزير الخزانة الجديد ـ الفيدرالي لأنه "تمادى" في التيسير، مما أضعف قدرة السوق على إرسال الإشارات المالية الطبيعية. وفق نسخة "مخففة" من الاتفاق المقترح، لن يستطيع الفيدرالي شراء كميات كبيرة من السندات إلا بموافقة الخزانة، ومع تعهد بوقف برنامج التيسير بمجرد تحسن الظروف. لكن البعض يرى أن ذلك يعطي للخزانة "حق فيتو ناعما" على قرارات البنك المركزي بشأن تشديد السياسة. ـ تدوير المحافظ ونقلة كبرى في الإصدارات : النسخة "الأكثر لحما" من الاتفاق، بحسب وصف المحللين، تتوقع انتقالا تدريجيا في محفظة الفيدرالي من السندات الطويلة والمتوسطة الأجل إلى أذون الخزانة قصيرة الأجل (أقل من عام ) . هذا التحول سيتيح لوزارة الخزانة تقليل إصدار السندات طويلة الأجل، لكنه في المقابل يزيد مخاطر تقلب كلفة الاقتراض نظرا لدورية تجديد الديون القصيرة. وفي توقعات "دويتشه بنك"، قد ترتفع حصة أذون الخزانة في محفظة الفيدرالي من أقل من 5% حاليا إلى 55% خلال 5 ـ 7 سنوات. ـ حقيقة زوال جاذبية الدولار : المشكلة الكبرى، بحسب بعض الخبراء، هي أن أي اتفاق يفهم على أنه تنسيق مباشر لخفض كلفة الدين قد يقوض ثقة المستثمرين في استقلالية الفيدرالي، وبالتالي في الدولار نفسه. قال، مدير المحافظ في "Columbia Threadneedle"، إد الحسيني: "إذا فهم المستثمرون أن الخزانة تستطيع الاعتماد على مشتريات مضمونة من الفيدرالي، فهذه مشكلة ضخمة" . ـ الرهان على التعاون.. ولكن دون فقدان الاستقلالية : يعتقد محللون أن وارش ـ حال توليه المنصب في مايو ـ سيحاول تجنب أي انطباع بأنه يفرط في استقلالية البنك المركزي، رغم أنه قد يدفع نحو قدر أكبر من التنسيق الفني مع الخزانة. بعض السيناريوهات الأكثر اتساعا تذهب أبعد، مثل مبادلة الفيدرالي لمحفظته من السندات العقارية البالغة تريليوني دولار مع الخزانة، مقابل أذون قصيرة الأجل، في خطوة قد تساعد إدارة ترامب على خفض معدلات الرهن العقاري. سواء كان هناك اتفاق رسمي أم لا، ما بات واضحا أن الأسواق تستعد لعلاقة أكثر التصاقا بين المؤسستين، في محاولة لتخفيف كلفة الفائدة على المقترضين الأميركيين. لكن كما يحذر جورج هول، أستاذ الاقتصاد في جامعة براندايس: "مثل هذه السياسات قد تنجح لفترة، لكن المستثمرين لديهم بدائل، وفي النهاية سيبحثون عن أماكن أخرى لأموالهم." ـ جورجييفا: عدم يقين الدولار بالاحتفاظ بدوره المحوري أصبح الوضع الطبيعي الجديد ان بكون الذهب ملاذ آمن : كما قالت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا إن حالة عدم اليقين أصبحت الوضع الطبيعي الجديد، وهو ما يدفع المستثمرين في أوقات الغموض إلى البحث عن الاستقرار من خلال الملاذات الآمنة مثل الذهب. وأضافت جورجييفا خلال مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، في التاسع من شهر فبراير 2026 أن العالم يعيش مرحلة التحول نحو تعدد الأقطاب، ما ينعكس على طريقة عمل النظام النقدي الدولي، إلا أن ذلك لا يلغي استمرار الدور المحوري للدولار. وأوضحت أن هذا الدور يستند إلى عمق وسيولة أسواق رأس المال في الولايات المتحدة، وحجم الاقتصاد الأميركي، وروح المبادرة وريادة الأعمال، إضافة إلى قدرة الاقتصاد الأميركي على تحقيق نمو مستدام ينعكس إيجابا على بقية اقتصادات العالم. وأشارت جورجييفا إلى أن الدولار يرتفع وينخفض مع مرور الوقت، لافتة إلى أن مستواه الحالي أعلى من متوسطه خلال العقد الماضي 2025 ، مؤكدة أنه لا ينبغي الحكم على وضع الدولار من خلال تقلبات قصيرة الأجل. وفيما يخص الأسواق الناشئة، أوضحت جورجييفا أن هذه التطورات ليست سلبية بالضرورة، إذ إن العديد من اقتصادات الأسواق الناشئة تقترض بالدولار، ومع ارتفاع تكلفة الاقتراض، فإن ضعف الدولار يعني إنفاقا أقل على خدمة الديون. وعند النظر إلى التطورات العالمية وتزايد تعدد مراكز النفوذ والتأثير، قالت إن عملات أخرى بدأت تعزز دورها تدريجيا في الاحتياطيات العالمية، موضحة أن الدولار ظل في الصدارة لفترة طويلة بحصة تجاوزت ثلثي الاحتياطيات العالمية، إلا أن هذه الحصة تراجعت اليوم إلى نحو 58% . وأضافت جورجييفا أن اليورو برز كخيار احتياطي للدول، إلى جانب عملات اقتصادات صغيرة وموثوقة مثل سويسرا وأستراليا والسويد، التي ارتفعت حصص عملاتها ضمن احتياطيات الدول، معتبرة أن ذلك يعد تطورا طبيعيا. ومع ذلك، وشددت على أنه عند بحث الاقتصادات عن ملاذ للاستقرار في أوقات الاضطراب، يبقى الدولار الوجهة الأولى. ـ قبل الدولار الموحد.. كيف غرقت أميركا في فوضى نقدية : في أربعينيات القرن التاسع عشر، سجل أحد المسافرين الأميركيين تجربة لا تصدق: بدأ رحلته بورقة نقدية بقيمة 20 دولارا من فرجينيا، ليتبادلها لاحقا بـ 100 دولار من تينيسي، ثم يجبر بعد عودته إلى كنتاكي على استبدالها ب88 دولارا فقط من عملة الولاية. وفي نهاية اليوم، رفض أصحاب إحدى الحانات قبول أي ورقة بين يديه باستثناء عملات "شركة سكة حديد بالتيمور وأوهايو". هذه الفوضى لم تكن حادثة فردية، بل صورة مصغرة لعصر كامل امتلكت فيه الولايات المتحدة ما يصل إلى 10 آلاف نوع مختلف من "الدولار" قبل أن تتوحد البلاد على العملة التي نعرفها اليوم. مع إعلان "الدولار الأميركي" وحدة نقدية رسمية عام 1792، ظن الكونجرس أنه يضع البلاد على طريق الاستقرار المالي. لكن الواقع كان بعيداً عن ذلك، فبحلول خمسينيات القرن التاسع عشر، كانت الأسواق الأميركية غارقة في آلاف الأوراق المالية التي تصدرها بنوك مختلفة، ولكل منها قيمة تختلف باختلاف المدينة والولاية والمسافة التي تقطعها الورقة من مكان إصدارها. وصف المؤرخ براين مورفي هذا النظام في حديثه لإذاعة "NPR" عام 2012، بأنه كان "سيئا للغاية". المشكلة لم تكن جديدة أصلا. فقبل ذلك، وفي عام 1787، كان السياسي إدموند راندولف يشتكي أمام أعضاء المؤتمر الدستوري السنوي من الخراب الذي أحدثته الأوراق النقدية، بعدما أصدرت ولايات مثل رود آيلاند كميات هائلة من النقود الورقية التي انهارت قيمتها إلى 8 سنتات مقابل الدولار الواحد. ـ الآباء المؤسسون حاولوا.. لكن من دون جدوى : ولمواجهة الفوضى، منعت الولايات من سك العملات، ونقل هذا الحق إلى "بنك الولايات المتحدة". لكن هذا الحل خلق مشكلة أخرى: البنك لم يكن قادرا على تلبية الطلب المتزايد في بلد ينمو بسرعة. وفي المقابل، انتشرت البنوك المحلية بكثافة مذهلة، تقريبا 3 بنوك فقط كانت موجودة عند إقرار الدستور، لكن عددها قفز إلى أكثر من 2000 بنك بين 1782 و1860، كل منها يطبع أوراقه الخاصة وفق قواعد متضاربة. ولم تتوقف الفوضى عند البنوك. فقد انتشرت أيضا أوراق نقدية شبه رسمية تعرف بـ "shinplasters"، يصدرها تجار وشركات وهيئات محلية، وكان معظمها بلا قيمة حقيقية. ـ حياة يومية تعتمد على الخبرة.. وليس الأرقام : في هذا العالم، لم يكن المواطن الأميركي يقيس ثروته من خلال الرقم المطبوع على الورقة، بل من خلال خبرته في قراءة الأوراق النقدية، مثل؛ مكان إصدار الورقة، سمعة البنك، والقوانين المحلية، والمسافة التي قطعتها الورقة. بل إن بعض الأوراق اتسمت بطابع غريب ومبهج، مثل ورقة "سانتا كلوز" الشهيرة التي أصدرها "بنك هوارد"، والتي كانت تحمل صورة للرجل العجوز بملابس عيد الميلاد وهو على زلاجته. ورغم الطابع الاحتفالي، فإن قيمتها الفعلية كانت مرهونة فقط بقدرة البنك على تحويلها إلى ذهب وفضة. ـ الحرب الأهلية.. ونهاية الفوضى بالصدفة : المفارقة أن الفوضى لم تنته رغبة في الإصلاح، بل بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1861. فمع بداية عام 1862، كانت الخزانة الأميركية على وشك الإفلاس، خاصة مع تراجع الإيرادات من 60 مليون دولار سنويا قبل الحرب إلى 42 مليونا فقط، وأصبح الجيش عاجزا عن دفع رواتب جنوده. عندها لجأت الحكومة إلى خطوة جذرية، عبر طباعة 150 مليون دولار من أوراق "الجرينباك" الشهيرة ذات اللون الأخضر، واستخدمتها لدفع النفقات العسكرية. وللمرة الأولى في التاريخ، التزمت كل ولايات الشمال باستخدام مجموعة موحدة من الأوراق النقدية تصدرها الحكومة الفيدرالية مباشرة. وبالتزامن، أنشأت واشنطن نظام "البنوك الوطنية" التي تخضع لإشراف مركزي وتجبر على شراء سندات حكومية، مما وفر تمويلاً ضخماً للمجهود الحربي. ـ ميلاد الدولار الموحد.. دون تخطيط : ما حدث بعد ذلك لم يكن متوقعا. فالأوراق الجديدة كانت، موحدة المظهر ويمكن استخدامها في كل الولايات، كما أنها مضمونة من الحكومة نفسها. ولأول مرة، امتلك الأميركيون عملة موحدة موثوقة. ولم يعد أحد يرغب في العودة إلى عالم الفوضى القديمة، ولا إلى حمل محافظ مليئة بأوراق لا يعترف بها أحد. وهكذا، وبالصدفة تقريبا، أدت حاجة الدولة لتمويل الحرب إلى إنهاء قرن من الفوضى النقدية، وتوحيد البلاد لأول مرة تحت راية "الدولار" الذي نعرفه اليوم.
|
|||||||||||||||