أبحاث
كتب فاطيمة طيبى 3 مارس 2026 11:42 ص - التعليقات "هرمز".. شريان العالم يعود إلى دائرة الضوء بسبب التوتر الإيراني الأمريكي
اعداد ـ فاطيمة طيبي يبرز مضيق هرمز مجددا كأحد أكثر الممرات المائية حساسية في العالم، تزامنا مع تصاعد حدة التوترات بين طهران وواشنطن، مما يضع إمدادات الطاقة العالمية أمام اختبار صعب، في ظل تهديدات مستمرة لحرية الملاحة في هذا الممر الحيوي. مع تصاعد التوتر الإيراني الأمريكي، يعود مضيق هرمز إلى دائرة الضوء من جديد، مع مناورات حية تزيد من المخاوف حول شريان العالم. و في السابع عشر من شهر فبراير 2026 ، أعلنت إيران، إغلاقها المؤقت لأجزاء منه في الوقت الذي أفادت فيه وكالات أنباء إيرانية شبه رسمية بإجراء تدريبات بالذخيرة الحية في هذا الممر المائي الحيوي. وهذا الإغلاق للمضيق يعد نادرا، وربما غير مسبوق. وقد يكون بحسب ما طالعته مصادر اعلامية عربية في وكالة "أسوشيتد برس"، "بمثابة إشارة من إيران إلى التداعيات المحتملة على الاقتصاد العالمي" في حال نفذت الولايات المتحدة تهديداتها بالهجوم عليها مع تصاعد التوترات بين البلدين. وأشارت الوكالة إلى أنه في فترات التوتر والصراع السابقة، "مارست طهران في بعض الأحيان مضايقات على الملاحة البحرية عبر المضيق"، لكنها لم تنفذ تهديداتها المتكررة بإغلاق الممر المائي بالكامل منذ ثمانينيات القرن الماضي، حتى خلال حرب الـ12 العام الماضي، حين قصفت إسرائيل والولايات المتحدة مواقع إيران النووية والعسكرية الرئيسية. بحسب أسوشيتد برس ... ما يجب معرفته عن المضيق، والتدريبات، وأسباب التوترات، وما قد يحدث لاحقا . ـ ممر مائي رئيسي للشحن العالمي: مضيق هرمز ممر مائي متعرج، يبلغ عرضه حوالي 33 كيلومترا، عند أضيق نقطة فيه. يربط المضيق الخليج العربي بخليج عمان، ومنه يمكن للسفن الإبحار إلى بقية أنحاء العالم. لطالما كان مضيق هرمز، عبر التاريخ، مركزا تجاريا هاما، حيث كانت تنقل عبره سلع مثل الخزف والعاج والحرير والمنسوجات من الصين مرورا بالمنطقة. وفي العصر الحديث، يعد المضيق ممرا رئيسيا لناقلات النفط والغاز العملاقة، والتي يتم تصدير غالبيتها العظمى إلى أسواق آسيا. وقد تسببت التهديدات التي تواجه هذا الممر في ارتفاع أسعار الطاقة العالمية في الماضي، بما في ذلك خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية في شهر يونيو الماضي. ـ مناورة إيرانية : في ظل تهديد الولايات المتحدة بشن هجوم عسكري وسط الاحتجاجات الشعبية العارمة المناهضة للحكومة التي اندلعت في أواخر ديسمبر 2025 ويناير2026 الماضيين، أجرت إيران مناورة عسكرية بالذخيرة الحية في مضيق هرمز مطلع فبراير 2026 . وقد حذرت السفن من المناورة آنذاك، لكنها لم تغلق الممر آنذاك. وفي 4 فبراير، تصاعدت حدة التوتر بين البحرية الإيرانية والأمريكية بعد أن أسقطت طائرة مقاتلة تابعة للبحرية الأمريكية طائرة إيرانية مسيرة كانت تقترب من حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" في بحر العرب. كما أفادت القوات المسلحة الأمريكية بأن إيران ضايقت سفينة تجارية ترفع العلم الأمريكي كانت تبحر في مضيق هرمز. ويوم الإثنين السابع عشر من فبراير 2026 ، أعلنت إيران عن مناورة جديدة أطلقت عليها اسم "السيطرة الذكية على مضيق هرمز". وقد تم تحذير البحارة في المنطقة عبر الراديو بأنها تخطط لـ"إطلاق نار حي من السطح" . وأفادت وكالة أنباء تسنيم شبه الرسمية، المقربة من الحرس الثوري الإيراني، بإجراء تجربة صاروخية حية صباح 18 فبراير ، مشيرة إلى أن صواريخ أُطلقت من داخل إيران وعلى طول سواحلها أصابت أهدافها في مضيق هرمز. وكانت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) قد صرحت سابقا بأن لإيران "الحق في العمل باحترافية في المجال الجوي والمياه الدولية"، لكنها حذرت من التدخل في عمل السفن الحربية الأمريكية أو تهديدها أو عبور السفن التجارية. وأكدت القيادة، التي تشرف على الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية، أنها لن تتسامح مع أي أعمال من قبيل اقتراب الطائرات أو السفن الإيرانية من السفن الحربية الأمريكية أو توجيه الأسلحة نحوها. ـ تهديدات خامنئي : تأتي هذه التحركات حول المضيق وسط تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هدد في البداية بشن ضربة عسكرية على إيران، في أعقاب ما اعتبره "قمعها الدموي" للاحتجاجات التي اندلعت في شهر ينايرالماضي. ومنذ ذلك الحين، لجأ إلى التهديد بالهجوم للضغط على طهران للتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي. وقد عقد الجانبان جولة جديدة من المفاوضات النووية غير المباشرة في جنيف . وتتواجد حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن" ومدمرات الصواريخ الموجهة التابعة لها في بحر العرب منذ عدة أسابيع، حيث يمكنها شن هجوم إذا ما دعا ترامب إلى ذلك. وقال ترامب إن حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس جيرالد آر فورد"، أكبر حاملة طائرات في العالم، سترسل من منطقة البحر الكاريبي إلى الشرق الأوسط للانضمام إلى الأصول العسكرية الأخرى التي عززتها الولايات المتحدة في المنطقة. كما ، حذر المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، الولايات المتحدة قائلا: "إن أقوى جيش في العالم قد يتلقى أحيانا ضربة قوية لا يستطيع معها النهوض مجددا". وأفاد التلفزيون الإيراني الرسمي أن خامنئي قال: "بالتأكيد، السفينة الحربية أداة خطيرة، لكن الأخطر منها هو السلاح القادر على إغراقها في أعماق البحار ـ مستجدات الهجوم على إيران.. شركات نفط وغاز كبرى تعلق الشحن عبر مضيق هرمز: قالت مصادر تجارية، في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي 2026 ، إن بعض مالكي ناقلات النفط وشركات النفط الكبرى وشركات التجارة علقوا شحنات النفط الخام والوقود والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز. جاء ذلك بعد هجوم شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وإعلان طهران إغلاق الملاحة. وقال مسؤول تنفيذي كبير في إحدى شركات التجارة الكبرى "ستبقى سفننا في أماكنها لعدة أيام". وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي التقطتها أجهزة تتبع ناقلات النفط تكدس السفن بجوار موانئ رئيسية، وعدم تحركها عبر مضيق هرمز. وصرح مسؤول في مهمة الأمن البحري للاتحاد الأوروبي (أسبيدس) لرويترز بأن العديد من السفن في المنطقة تلقت بثا لاسلكيا عبر جهاز موجات التردد العالي من الحرس الثوري الإيراني يفيد بأنه "لن يسمح لأي سفينة بالمرور عبر مضيق هرمز". وأكدت البحرية البريطانية أن أوامر إيران غير ملزمة قانونا، ونصحت السفن بالعبور بحذر. وذكرت رابطة ناقلات النفط (إنترتانكو) أن البحرية الأمريكية حذرت من الملاحة في منطقة العمليات، التي تشمل الخليج وخليج عُمان وشمال بحر العرب ومضيق هرمز، مشيرة إلى عدم ضمان سلامة الملاحة المحايدة أو السفن التجارية. وأفادت مذكرة تحذيرية جاءت بها وكلات اعلامية دولية بأن وزارة النقل البحري اليونانية نصحت السفن، بتجنب المرور عبر الخليج العربي، وخليج عمان، ومضيق هرمز. ويمر نحو 20% من النفط العالمي من منتجين رئيسيين في المنطقة، عبر مضيق هرمز، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال من قطر. وقالت لورا بيج مديرة قسم تحليلات الغاز الطبيعي المسال والغاز الطبيعي في شركة كبلر، إن 14 ناقلة غاز طبيعي مسال لا تحمل شحنات أظهرت حتى الآن مؤشرات على خفض سرعتها أو تغيير مسارها أو التوقف في المضيق أو قربه. وأضافت أنه من المرجح أن يرتفع هذا العدد خلال الأيام المقبلة، مما يشكل مخاطر على إمدادات قطر من الغاز الطبيعي المسال. ـ مضيق هرمز على صفيح ساخن: يعد مضيق هرمز حلقة الوصل الرئيسية التي تربط بين الخليج العربي وخليج عمان، ومنه تنطلق ناقلات النفط إلى مختلف قارات العالم. وتكمن الأهمية الاستراتيجية للمضيق في كونه ممرا لنحو 20% من إجمالي تجارة النفط العالمية، مما يجعله المحرك الأساسي لاستقرار أسواق الطاقة الدولية. ومع تزايد وتيرة التوتر الإيراني الأمريكي، شهدت المنطقة مؤخرا مناورات عسكرية مكثفة، كان آخرها تدريبات إيرانية بالذخيرة الحية. وفي خطوة وصفتها وكالة أسوشيتد برس بالنادرة وغير المسبوقة، أقدمت طهران على إغلاق مؤقت لأجزاء من المضيق، وهو ما اعتبره مراقبون رسالة سياسية مشفرة تهدف إلى استعراض القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي. ويرى خبراء أن أي تعطيلٍ طويل الأمد للملاحة في "هرمز" سيؤدي إلى قفزات حادة في أسعار الطاقة عالميا. ووفقا للتقارير، فإن الدول الآسيوية، وتحديدا في شرق آسيا، ستكون الأكثر تضررا؛ نظرا لاعتمادها الكبير على هذا الممر، حيث يتدفق عبره أكثر من نصف احتياجاتها النفطية المستوردة. ويبقى التساؤل قائما حول قدرة المجتمع الدولي على ضمان أمن الملاحة في المضيق، وتجنيب الاقتصاد العالمي "هزّة" قد لا تحمد عقباها في حال انزلاق الأوضاع نحو مواجهةٍ مباشرة في هذا الممر الضيق والمصيري. ـ النفط يرتفع مع تصاعد التوتر: ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 1% ، بعد أن أوصت وزارة النقل الأمريكية السفن التي ترفع علم الولايات المتحدة بالابتعاد قدر الإمكان عن الأراضي الإيرانية أثناء عبورها مضيق هرمز. وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 89 سنتًا، أو 1.3%، لتصل إلى 68.94 دولار للبرميل. وزاد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 83 سنتًا، أو 1.3%، إلى 64.38 دولار. وقال بيارنه شيلدروب، المحلل لدى إس.إي.بي: "لا يمكن إزالة علاوة المخاطر الإيرانية تماما ما دامت السفن الحربية الأمريكية موجودة في مكانها الحالي". وانخفضت أسعار النفط في وقت سابق من الجلسة، لتواصل خسائر الأسبوع الماضي، بعد أن تعهدت الولايات المتحدة وإيران بمواصلة المحادثات غير المباشرة، عقب ما وصفه الجانبان بالمناقشات الإيجابية. وقال جيوفاني ستونوفو، المحلل في يو.بي.إس: "من الصعب للغاية تقييم كيفية تطور الوضع. نتابع الوضع يوما بيوم، ونترقب الآن تحديد موعد لعقد جولة ثانية من المحادثات". ـ تأثير يتجاوز زمن الحرب.. الاضطرابات تعيد تشكيل أسواق الطاقة: اعتبر تحليل نشره موقع "ديسكفري أليرت" إن التطورات في المنطقة تلقي بظلال كبيرة على الأسواق العالمية للطاقة في حاضرها ومستقبلها. وأوضح إن تلك الأسواق تعمل ضمن شبكة معقدة من سلاسل الإمداد، ونقاط الاختناق الاستراتيجية، ونقاط الترابط الجيوسياسية، والتي يمكن أن تتغير بشكل كبير عندما تتصاعد التوترات الإقليمية. وقد أظهرت الحرب بين إسرائيل وإيران مدى السرعة التي يمكن أن تؤدي بها النزاعات الإقليمية إلى تأثيرات متسلسلة على الأنظمة العالمية للطاقة، مؤثرة على كل شيء بدءًا من تكاليف وقود النقل وصولاً إلى جداول الإنتاج الصناعي عبر القارات. وقال إن أمن الطاقة تطور ليشمل ما هو أبعد من مجرد آليات العرض والطلب البسيطة، ليصبح بمثابة استراتيجيات متقدمة لإدارة المخاطر تأخذ في الحسبان عدم الاستقرار السياسي، وضعف البنية التحتية، وتنويع سلاسل الإمداد. وتعكس هذه التحولات إدراكًا أساسيًا بأن الاستقلالية والمرونة في الطاقة تتطلب كلا من الابتكار التكنولوجي والتخطيط الاستراتيجي الذي يمتد بعيدًا عن القوى السوقية التقليدية. ـ الممرات البحرية : مضيق هرمز المثال الأبرز، إذ تمر عبره نحو 21 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات المكررة، أي ما يعادل نحو 21% من إجمالي سوائل النفط المتداولة عالميا. أما قناة السويس فتنقل نحو 5.5 مليون برميل يوميا، في حين يعبر مضيق ملقا حوالي 15.6 مليون برميل يوميا، معظمها متجه إلى الأسواق الآسيوية. كذلك تمر عبر المضائق التركية قرابة 3 ملايين برميل يوميا من صادرات منطقة بحر قزوين. هذه الأرقام توضح أن أي اضطراب في أحد هذه المسارات يؤثر مباشرة على جزء ملموس من الإمدادات العالمية. ويشمل التحليل الاقتصادي لتعطل نقاط الاختناق ـ ثلاثة عناصر رقمية رئيسية: تكلفة المسارات البديلة، أقساط التأمين، وزمن العبور. خلال فترات التوتر الجيوسياسي، ترتفع أقساط التأمين على ناقلات النفط العابرة لمناطق عالية المخاطر بنسبة تتراوح بين 200% و400%، ما يزيد التكلفة النهائية لكل برميل يتم شحنه. كما أن التحول إلى طرق أطول يعني استهلاكا أكبر للوقود وارتفاعا في تكاليف استئجار السفن، إضافة إلى تمدد زمن الشحن، وهو ما يؤثر على جداول الإمداد وسلاسل التوريد الصناعية. وعند مواجهة مخاطر تعطل الممرات البحرية، تلجأ شركات الطاقة إلى حلول رقمية التكلفة، تشمل زيادة الاعتماد على شبكات الأنابيب البرية القائمة، تسريع مشاريع خطوط أنابيب بديلة، وتوسيع قدرات التخزين في موانئ تصدير مختلفة. إلا أن هذه البدائل غالبًا ما تنطوي على استثمارات رأسمالية مرتفعة ولا تعوض بالكامل فقدان المسارات البحرية ذات السعة الكبيرة. وخلص التحليل في هذا السياق إلى أن تعطل ممر ينقل بين 3 إلى 21 مليون برميل يوميا لا يمثل حدثا لوجستيا فحسب، بل صدمة عرض عالمية تنعكس في شكل ارتفاع فوري في الأسعار، وزيادة في تكاليف النقل والتأمين، وضغوط تضخمية تمتد عبر قطاعات الطاقة والصناعة والنقل على مستوى العالم. ـ استراتيجيات إنقاذ : وكانت الدول المستوردة للطاقة قد طورت استراتيجيات متقدمة للتعامل مع اضطرابات الإمدادات خلال فترات التوتر الجيوسياسي، تجمع بين إجراءات تكتيكية فورية وخطط طويلة الأجل قد تعيد تشكيل أنماط تجارة الطاقة عالميا. وتستند هذه الآليات إلى تقييم دقيق لحجم التعرض للمخاطر في الممرات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبرها كميات كبيرة من النفط والغاز. وتُعد الهند مثالا واضحا على هذا التكيّف الهيكلي، إذ تستورد نحو 85% من احتياجاتها من النفط الخام، ما يجعل أمن الإمدادات مسألة حيوية للاقتصاد الوطني. وتشير بيانات الصناعة إلى أن نحو 40% من وارداتها النفطية وقرابة 55% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال تمر عبر ممرات بحرية معرضة للاضطراب في حال تصاعد النزاعات الإقليمية. هذه النسب تعكس مستوى انكشاف مرتفع لأي تعطل محتمل في طرق الشحن الاستراتيجية. في مواجهة هذه المخاطر، استثمرت المصافي في تعزيز مرونتها التشغيلية، بحيث تستطيع معالجة أنواع مختلفة من النفط الخام بدل الاعتماد على مصدر واحد. وتشمل هذه الاستراتيجيات تحسين مزيج الخام المعالج، وزيادة مستويات المخزون خلال فترات عدم اليقين، وإبرام عقود طويلة الأجل مع موردين متنوعين جغرافيًا، إضافة إلى تنويع مسارات النقل ومرافق التخزين. وتمنح الاستراتيجيات قدرًا من الاستقرار الاقتصادي عند حدوث أزمات. وعلى مستوى الأسواق، لا تتحدد الأسعار فقط وفق العرض والطلب الفعليين، بل تضاف إليها "علاوة مخاطر" تعكس احتمالات التصعيد ومدته المتوقعة. وتشير السوابق التاريخية إلى أن رد الفعل السعري قد يكون حادا في البداية؛ فالهجمات على منشآت أرامكو السعودية عام 2019 أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 15% إلى 20% قبل أن تتراجع مع استعادة الإنتاج. وهذا النمط يوضح أن المخاطر الجيوسياسية تترجم سريعا إلى زيادات سعرية قد تؤثر على تكاليف الطاقة والتضخم عالميًا، حتى لو كان التعطل الفعلي مؤقتا. ـ قطاعات متأثرة : وتمتد آثار اضطرابات إمدادات الطاقة إلى مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي بدرجات متفاوتة، تبعا لكثافة استهلاكها للطاقة وقدرتها على تمرير التكاليف إلى المستهلكين. وعندما تتزامن صدمات أسعار النفط مع توترات جيوسياسية أو حروب تجارية، تتضاعف التأثيرات وتنتقل عبر سلاسل الإمداد العالمية، ما يخلق ضغوطا تضخمية واسعة النطاق ويؤثر في قرارات الإنتاج والاستثمار. أما القطاع الأكثر حساسية لتقلبات أسعار الوقود فهو النقل وذلك بسبب اعتماده الكبير على المشتقات النفطية وصعوبة إيجاد بدائل سريعة. ففي قطاع الطيران التجاري، يمثل وقود الطائرات ما بين 20% و30% من إجمالي تكاليف التشغيل، ما يعني أن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط يمكن أن يؤدي بسرعة إلى تآكل هوامش الربح ودفع الشركات إلى خفض السعة التشغيلية أو تعديل مساراتها. ولمواجهة هذه المخاطر، تعتمد شركات النقل على استراتيجيات التحوط المالي، وتحسين كفاءة المسارات، وتسريع تحديث الأساطيل، إضافة إلى دراسة الوقود البديل. أما قطاع التصنيع، خصوصا الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الصلب والألمنيوم والكيماويات والإسمنت، فيواجه ضغوطا مباشرة على التكاليف. ففي صناعة الصلب على سبيل المثال، تمثل الطاقة نحو 15% إلى 25% من إجمالي تكلفة الإنتاج، ما يجعل تقلبات أسعار الطاقة عاملا حاسما في قرارات جدولة الإنتاج وإدارة المخزون وتوزيع الطاقة الإنتاجية. وتلجأ الشركات إلى تحسين كفاءة الطاقة، وتنويع مواقع الإنتاج جغرافيًا، وتعديل مزيج المنتجات لتقليل استهلاك الطاقة خلال فترات الارتفاع السعري. على مستوى الاستثمار، تؤدي الأزمات الجيوسياسية إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ«علاوة أمن الطاقة»، حيث ترتفع تقييمات الأصول المرتبطة بإمدادات مستقرة ومحلية. ويشمل ذلك مشاريع الطاقة المتجددة بعقود طويلة الأجل، وأصول إنتاج الطاقة في دول مستقرة سياسيًا، والبنية التحتية الحيوية، إضافة إلى التقنيات الداعمة للاستقلال الطاقي مثل تخزين الطاقة والشبكات الذكية والهيدروجين الأخضر. ـ تداعيات تتجاوز زمن الحرب : ووفقا للتحليل، تسهم الحرب بين إسرائيل وإيران والتوترات الجيوسياسية المماثلة في إحداث تحولات هيكلية مرشحة للاستمرار في أسواق الطاقة العالمية حتى بعد انتهاء النزاعات المباشرة. وتشمل هذه التحولات تطوير مناهج جديدة لتقييم المخاطر، وتعديل معايير الاستثمار، وإعادة صياغة الأطر التنظيمية بحيث يصبح أمن الطاقة عنصرا موازيا للكفاءة الاقتصادية والأهداف البيئية، وليس تابعا لهما. وأصبح تقييم المخاطر الجيوسياسية جزءا محوريا في قرارات الفاعلين في السوق، من الشركات متعددة الجنسيات إلى المستثمرين الأفراد. ولم يعد تحسين التكلفة وحده كافيا في نماذج اتخاذ القرار، بل بات التخطيط يقوم على موازنة متعددة الأهداف تجمع بين الكفاءة، والمرونة، والاستدامة. وهذا يمثل انتقالا من منطق السوق البحت إلى نموذج أكثر تعقيدا يدمج الاعتبارات الأمنية ضمن اقتصاديات الطاقة. ومن المرجح أن تؤدي التوترات الحالية إلى تسريع بناء نظام طاقة عالمي أكثر تنوعا واعتمادا على التكنولوجيا وأكثر قدرة على الصمود. هذا التحول يخلق تحديات تتعلق بإدارة المخاطر قصيرة الأجل، لكنه يفتح أيضا فرصا استثمارية على امتداد سلسلة القيمة، من الإنتاج إلى النقل والاستهلاك، خاصة في التقنيات التي تعزز الاستقلال الطاقي والبنية التحتية المرنة. وفي ظل هذه البيئة المتغيرة بسرعة ـ بفعل التطورات الجيوسياسية والتقدم التكنولوجي والتعديلات التنظيمية ـ تبقى أسواق الطاقة عرضة لتحولات مفاجئة. لذلك يتطلب التعامل معها استراتيجيات مدروسة، والاستعانة بخبراء مختصين قبل اتخاذ قرارات استثمارية، نظرا لتعقيد المخاطر وتداخل العوامل المؤثرة.
|
|||||||||||||||