أبحاث


كتب فاطيمة طيبى
5 أبريل 2026 2:52 م
-
أزمة نقص الوقود تهدد اقتصادات أفريقيا.. القارة خارج خطط التنسيق العالمي

أزمة نقص الوقود تهدد اقتصادات أفريقيا.. القارة خارج خطط التنسيق العالمي

اعداد ـ فاطيمة طيبي

تواجه العديد من الاقتصادات الأفريقية خطر نقص الوقود خلال أسابيع، في ظل استمرار النزاع العسكري في إيران. ويجعل الاعتماد الكبير على الطاقة المستوردة، القارة، عرضة بشكل خاص لتداعيات الحرب الأمريكية - الإسرائيلية مع إيران على السوق.

وتنتج أفريقيا نحو 8% من النفط الخام العالمي، لكنها تستورد معظم احتياجاتها من الوقود المكرر، بما في ذلك من دول الخليج، بسبب النقص المزمن في طاقة التكرير.ويعني محدودية سعة التخزين، وضعف القدرة الشرائية، وتفضيل الموردين للتجار الأقرب إلى مراكز التكرير، أن مشتري القارة سيدفعون على الأرجح إلى آخر قائمة الانتظار للحصول على الإمدادات.

ـ هشاشة الوضع في أفريقيا :

ويقول الأمين التنفيذي لرابطة مصافي وموزعي النفط الأفريقية، أنيبور كراجا، لصحيفة فايننشال تايمز، "الأمر أشبه بصراعٍ محموم بين الأطراف، إنه بالتأكيد يثير قلقا بالغا، حتى المصدرون يتساءلون عن كيفية تلبية الطلب المحلي أولًا." كما لا يقتصر الأمر على التكرير فحسب، بل يشمل أيضا التخزين، والبنية التحتية للتوزيع، وخطوط الأنابيب، والموانئ، عندما ننظر إلى كل ذلك معا، ندرك مدى هشاشة وضع أفريقيا."

وبينما قد تستفيد بعض الدول الأفريقية المنتجة للنفط، مثل الجزائر وأنغولا ونيجيريا، من ارتفاع أسعار النفط، فمن المرجح أن تتأثر معظمها بارتفاع الأسعار ونقص الوقود. وقد قدمت إثيوبيا دعما حكوميا لتخفيف أثر ارتفاع الأسعار على المستهلكين، في حين تعاني كينيا بالفعل من نقص في الوقود.

وهددت زامبيا بفرض غرامات على من يحتكرون البنزين، كما أن تناقص إمدادات الأسمدة في السودان والصومال ينذر بأزمة غذائية. وتعكس هذه الاضطرابات الوضع الراهن في آسيا، حيث تلجأ الاقتصادات الفقيرة بالنفط والغاز إلى استخدام احتياطياتها الطارئة وتفرض العمل لأربعة أيام في الأسبوع، وهي قيود يرجح أن يكون تطبيقها أصعب في أفريقيا، حيث تفتقر العديد من الحكومات إلى الموارد اللازمة لتغطية تكاليف التدابير الطارئة. كما أن وجود قطاعات اقتصادية غير رسمية واسعة النطاق سيزيد من صعوبة فرض تقليص ساعات العمل.

وقال المدير التنفيذي في شركة سيغنال ريسك الاستشارية بلندن، رونك جوبالداس: "إذا تجاوز سعر برميل النفط 100 دولار لفترة طويلة، فسيكون لذلك أثر مدمر للغاية، لأن مواردنا المالية والنقدية شحيحة للغاية في معظم أنحاء أفريقيا".

كما ينذر ذلك ايضا باضطرابات اجتماعية محتملة، فإذا كان الناس يعانون من أزمة غلاء المعيشة، والشباب عاطلون عن العمل، وتزعزعت ثقة الناس في أداء الحكومة، فإن ذلك يشكل مزيجا خطيرا للغاية".

ـ دول شرق وجنوب أفريقيا الأكثر تأثرا :

وتعتمد دول شرق وجنوب أفريقيا اعتمادا كبيرا على الشرق الأوسط في استيراد الوقود، حيث تستورد دول مثل كينيا جميع احتياجاتها من الوقود المكرر من المنطقة.

ووفقا لبيانات شركة التداول الأمريكية إس آند بي جلوبال، يمر نحو 70% من واردات وقود الطائرات والكيروسين إلى القارة عبر مضيق هرمز. وتمثل المنتجات النفطية ثلث الطاقة التي يستهلكها المستهلكون النهائيون في جميع أنحاء القارة، ما يجعلها عنصرا أساسيا في قطاعات النقل والصناعة والطاقة الاحتياطية.

ولا توجد دولة أفريقية عضو في وكالة الطاقة الدولية، مما يجعل القارة خارج نظام هذه الهيئة العالمية لتنسيق إطلاق احتياطيات النفط بهدف خفض الأسعار.

ومنذ عام 2023، تستورد كينيا جميع احتياجاتها من الوقود مباشرة من مجموعة صغيرة من الموردين في دول الخليج بموجب عقود طويلة الأجل تهدف إلى تخفيف الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي. واضطرت كينيا وأوغندا إلى البحث عن شحنات أغلى ثمنا في السوق الفورية بعد انقطاع الإمدادات من دول الخليج.

وصرح وزير الطاقة الكيني، أوبيو وانداي، بأن الحكومة ستتخذ "جميع الإجراءات اللازمة" لضمان استمرار الإمدادات، إلا أن هذا التحول بدأ بالفعل في رفع تكاليف الاستيراد والتأثير سلبا على قيمة الشلن. وفي جنوب أفريقيا، أدى إغلاق المصافي المتتالي إلى خفض الطاقة الإنتاجية المحلية بشكل كبير.

وقال وزير الموارد المعدنية، جويدي مانتاشي، لصحيفة فايننشال تايمز، "لسنا بمنأى عن تداعيات الحرب". ويعتمد البلد على الشرق الأوسط في نحو نصف احتياجاته من الوقود المقطر، وفقا لمحللي بنك نيدبانك، وأضاف مانتاشي أن هذا الاعتماد أصبح "مشكلة الآن".

وبحسب تقرير لصحيفة الجارديان، في جنوب أفريقيا، أعلنت شركة الطيران الإقليمية "فلاي سافير" هذا الشهر عن ارتفاع أسعار وقود الطائرات في مطارات جنوب أفريقيا الساحلية بنسبة 70% خلال أسبوع واحد.

وأوضحت الشركة أن هذا الارتفاع يعادل 35 ألف راند (2.077 دولار أمريكي) إضافية لكل ساعة طيران لطائرة بوينغ 737- 800.

واستجابة لذلك، فرضت الشركة ما سمته "رسوما إضافية ديناميكية على الوقود" لمدة شهرين حتى 12 مايو. وتمتلك حكومة جنوب أفريقيا حوالي 8 ملايين برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، تكفي لثلاثة أسابيع تقريبا، ولا تملك جنوب أفريقيا سوى مصفاتين عاملتين تلبيان 40% فقط من الطلب المحلي على الوقود، بما في ذلك الديزل والبنزين ووقود التشغيل لشركة إيسكوم، مزود خدمات الكهرباء الحكومي، بحسب فايننشال تايمز.

وأكد مانتاشي أنه لا يوجد خطر من نفاد البنزين على المدى القريب، إلا أن جنوب أفريقيا تستعد لارتفاع حاد في الأسعار، حيث من المتوقع أن ترتفع أسعار الديزل بنسبة قياسية تبلغ 40% في أبريل .

ـ الطاقة النووية في أفريقيا.. طموحات   بين رحى الفرص وسندان المخاطر:

ربما لم تثر أي تقنية أخرى مزيجا من الخوف والحماس كما فعلت الطاقة النووية، ففي خمسينيات القرن الماضي، ازدهر استخدام الانشطار النووي في الأغراض السلمية، ولا يزال حتى اليوم يمثل إحدى أبرز أدوات الردع في الشؤون العسكرية.

وأدت الحوادث النووية الخطيرة في ثري مايل آيلاند (بنسلفانيا، 1979)، وتشرنوبل (الاتحاد السوفيتي، 1986)، وفوكوشيما (اليابان، 2011) إلى تراجع الدعم للطاقة الذرية لسنوات طويلة.

وفي الآونة الأخيرة، أعيد الترويج للطاقة النووية باعتبارها بديلا منخفض الكربون وصديقا للبيئة للوقود الأحفوري، خاصة مع ازدهار إنشاء مراكز البيانات وتنامي الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولا توجد حاليا في أفريقيا سوى محطة طاقة نووية واحدة في كويبرغ، بالقرب من كيب تاون في جنوب أفريقيا، لكن هذا الواقع قد يتغير خلال السنوات المقبلة.

ـ الطموحات النووية الأفريقية :

وفي عام 2025، أجرى الصحفي الجنوب أفريقي تريستن تايلور دراسة معمقة حول الطموحات النووية للدول الأفريقية، وفق ما ذكرت شبكة "دويتشه فيله" . ونشر تقريره من قبل مكتب كيب تاون التابع لمؤسسة هاينريش بول الألمانية، المرتبطة بحزب الخضر.

وقال تايلور لـ "دويتشه فيله": "أفريقيا سوق واعدة لجميع الموردين، ولا سيما كوريا الجنوبية والصين وروسيا". وأضاف: "هنا يكمن سوق النمو المحتمل، ويبقى السؤال: هل تستطيع الدول الأفريقية تنظيم أمورها بشكل جيد لطرح المناقصات، وإبرام العقود، وتوفير الآليات المالية اللازمة؟"، مشيرا إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تُقدم الدعم للدول في مراحل الاستعداد.

وبحسب تقرير تايلور، تتمتع مصر بأفضل فرص تشغيل مفاعل نووي، حيث بدأت مؤسسة "روساتوم" الروسية للطاقة الذرية بناء محطة في الضبعة على الساحل الشمالي عام 2022.

في المقابل، يرى تايلور أن الطموحات النووية لدول الساحل مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو لا تزال غير واقعية، رغم توقيعها اتفاقيات مع "روساتوم" . وقال: "عندما توقع هذه الدول اتفاقية نووية مع روسيا، فهي في الأساس تعلن دعمها السياسي لروسيا" . كما انه في الواقع، لا تعد هذه الاتفاقيات ذات قيمة كبيرة بحد ذاتها، وإذا استمرت لفترة طويلة وشهدت تقدما فعليا، يمكن عندها القول إن شيئا ما بدأ يتحرك" .

ـ خطط جنوب أفريقيا :

وتعد محطة كويبرغ للطاقة النووية، الواقعة بالقرب من كيب تاون، الوحيدة العاملة في أفريقيا. وقد بدأ تشغيل المفاعلين في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بدعم من تحالف فرنسي خلال فترة نظام الفصل العنصري.

وتبلغ قدرة المحطة نحو 2000 ميجاواط، وتوفر قرابة 4% من كهرباء جنوب أفريقيا. وفي عام 2025، تم تمديد ترخيص تشغيل المحطة لمدة 20 عاما إضافية، رغم مخاوف دعاة حماية البيئة بشأن مشروع كويبرغ- 2.

وقالت الخبيرة بمعهد البيئة التابع لجماعات جنوب أفريقيا الدينية  (SAFCEI)، فرانشيسكا دي جاسباريس، إن هناك تساؤلات حول معايير السلامة والصيانة التي تتبعها شركة "إيسكوم"، المشغلة للمحطة، وهي شركة الكهرباء الحكومية المتعثرة.

كما عندما ننظر إلى أفضل الممارسات في الدول التي تتعامل بجدية مع مخاطر محطات الطاقة النووية، نجد ضرورة إجراء اختبارات الصيانة أولا، وتحديث معدات المراقبة، وتطبيق التحسينات الدولية المستخلصة من كارثة فوكوشيما وغيرها".وتابعت: "كان ينبغي تنفيذ كل ذلك أولا، حتى يتحمل منتج الطاقة الفعلي المخاطر والعبء" .

ويؤكد منتقدون أن هذه الإجراءات لم تنفذ بالشكل المطلوب في محطة كويبرغ، في الوقت الذي تستعد فيه "إيسكوم" لبناء محطة أكبر بقدرة 4000 ميجاواط في دوينفونتين القريبة، وسط انتقادات تتعلق بانعدام الشفافية واستخدام بيانات قديمة، بحسب دي جاسباريس.

ـ مخاطر في غانا :

وفي غرب أفريقيا، سعت غانا إلى استقطاب موردين من فرنسا والصين وكوريا الجنوبية وروسيا والولايات المتحدة لتطوير مشاريعها النووية. وتشير تقارير إلى احتمال بدء الإنشاءات في عام 2027، وفق موقع  ghanaweb ، رغم عدم نشر تفاصيل العقود حتى الآن.

وتدرس غانا إلى جانب المحطات التقليدية استخدام المفاعلات المعيارية الصغيرة  (SMRs)، وهي أصغر حجما وأسهل تشغيلًا وأقل خطورة. وحتى الآن، يتميز كل مفاعل من المفاعلات التقليدية التي يتجاوز عددها 750 مفاعلا حول العالم بخصائص ومخاطر خاصة به.

لذلك، تعد تكلفة الكيلوواط/ساعة من الطاقة النووية أعلى من مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية والطاقة الكهرومائية، وفق بيانات أوروبية. وقد تسهم المفاعلات المعيارية الصغيرة في تقليص هذه الفجوة عبر الإنتاج الضخم، إلا أن تطبيقها لا يزال في مرحلة النماذج الأولية.

ـ طموح كينيا :

وأعلن الرئيس الكيني ويليام روتو في مارس  بدء العمل على مشروع محطة نووية بقدرة 2000 ميجاواط في سيايا على ضفاف بحيرة فيكتوريا بالقرب من الحدود مع أوغندا.

ومن المتوقع أن يبدأ المشروع إنتاج الطاقة في عام 2034، إلا أن التأخيرات وتجاوزات التكاليف تعد من السمات الشائعة في هذا القطاع .

وبحسب الباحث تريستن تايلور، لا تزال التحديات قائمة، حيث قامت الحكومة الكينية مطلع عام 2025 بحل الهيئة الوطنية للطاقة النووية (NuPEA) ضمن إجراءات تقشفية، إلا أن القرار لم يفعل بعد لعدم تصديق البرلمان عليه.

وقالت الناشطة البيئية الكينية فيليس أوميدو لـ"دويتشه فيله": "نحتاج إلى دراسة شاملة توضح تأثير محطة الطاقة النووية على مجتمعات الصيادين حول بحيرة فيكتوريا، إذ يعد الصيد مصدر دخلهم الأساسي". وأضافت أنها تخشى من مخاطر نقل الوقود النووي عبر البلاد وتأثيراته المحتملة على السكان.

وكانت أوميدو، الحائزة على جائزة رايت لايفليهود لعام 2023، قد قادت جهودا لسنوات لمعارضة إنشاء محطة نووية بالقرب من كيليفي على ساحل المحيط الهندي.

ـ مخاوف النفايات النووية :

ولا يزال التحدي الأكبر يتمثل في التخلص من النفايات النووية المشعة، التي قد تبقى لآلاف السنين، وهو ما يمثل مصدر قلق عالمي. وقالت أوميدو: "نحن نرفض أي مشروع نووي ما لم يقدم حل عملي للتعامل مع النفايات، فدفنها في المجتمعات ليس حلا" .

ووفق تقرير لموقع "إنفراستركشر نيوز"، تخزِن جنوب أفريقيا نفاياتها النووية في فالبوتس، وهي منطقة قليلة السكان في مقاطعة كيب الشمالية، إلا أن ذلك يقتصر على النفايات منخفضة ومتوسطة الإشعاع، بينما لا تزال النفايات عالية الإشعاع مخزنة في كويبرغ. وتخطط الحكومة لإنشاء مستودع نهائي للنفايات بحلول عام 2065، وهو هدف يشكك فيه النشطاء.

وقال دي جاسباريس: "لا أعتقد أن هناك حلا سهلا للنفايات عالية المستوى"، مضيفا: "لهذا السبب لا ينبغي التوسع في إنتاج المزيد من النفايات وخلق تحديات أكبر في المستقبل".

ـ ترشيد الوقود في زمن "حرب إيران".. سباق عالمي بلا هوادة :

دول العالم تتخذ إجراءات لتوفير الطاقة، مثل استخدام السلالم بدل المصاعد، تقنين الوقود، وخفض إنارة الشوارع، لتجنب أزمة كبيرة نتيجة حرب إيران .

يواجه العالم أزمة طاقة متصاعدة تهدد بإغراقه في الظلام، حيث تتسابق الدول لتأمين إمدادات الوقود وسط تداعيات جيوسياسية متسارعة بسبب حرب إيران. وأجبرت هذه الأزمة العديد من الحكومات في آسيا وأوروبا على إعلان حالات الطوارئ وفرض إجراءات تقشفية استثنائية لترشيد استهلاك الطاقة، تجنبا لشلل المرافق الحيوية.

وشهدت القارة الآسيوية سلسلة من القرارات الصارمة لمواجهة نقص الإمدادات، ففي سريلانكا أصدرت السلطات أوامر بإطفاء إنارة الشوارع، واللافتات، ولوحات الإعلانات، كما طالبت المؤسسات الحكومية بتقليل استخدام أجهزة التكييف.

أما في الفلبين، أعلن الرئيس الفلبيني حالة طوارئ وطنية في مجال الطاقة للتعامل مع تداعيات الأزمة. كما أعلنت الخطوط الجوية الفيتنامية خطة لإلغاء 23 رحلة أسبوعيا على عدد من الخطوط الداخلية اعتبارا من شهر أبريل، وذلك بسبب نقص متوقع في وقود الطائرات.

ولجأت حكومة بنجلاديش إلى فرض انقطاعات مبرمجة للتيار الكهربائي لتخفيف الأحمال. وفي إجراء يعكس شدة الأزمة، طُلب من المسؤولين الحكوميين في تايلاند استخدام السلالم بدلا من المصاعد الكهربائية.

لم تكن الدول الأوروبية بمنأى عن هذه التداعيات، إذ دخلت سلوفينيا التاريخ كأول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تفرض نظاما لتقنين الوقود، في محاولة لمواجهة النقص الحاد الناتج عن التهافت على التخزين الاحتياطي.




التعليقات