أبحاث


كتب فاطيمة طيبى
8 أبريل 2026 2:04 م
-
أزمة غذاء عالمية.. حرب إيران تضرب سلاسل الإمداد وترفع الأسعار

أزمة غذاء عالمية.. حرب إيران تضرب سلاسل الإمداد وترفع الأسعار

اعداد ـ فاطيمة طيبي

يرى محللون أنه حتى لو انتهت الحرب في إيران ، فإن الضرر الذي سيلحق بالنظام الغذائي العالمي قد بدأ بالفعل . وأدى الصراع إلى انقطاع إمدادات الأسمدة الأساسية وارتفاع أسعار الوقود في وقت حرج من الموسم الزراعي، ما يزيد من احتمالية انخفاض إنتاج المحاصيل الرئيسية مثل الذرة والقمح والأرز.

وقد تسببت الاضطرابات في مضيق هرمز ـ الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الأسمدة العالمية ـ  في ارتفاع حاد في أسعار مكونات الأسمدة، مثل الأمونيا والفوسفور والبوتاسيوم، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط والديزل في جميع مراحل سلسلة التوريد، ما يرفع تكلفة زراعة ونقل وتخزين الغذاء.

وفي أفضل السيناريوهات، حيث ينحسر القتال سريعا، أفاد خبراء لموقع "بيزنس إنسايدر" أن المستهلكين حول العالم سيشعرون على الأرجح بتأثير ذلك من خلال ارتفاع مستمر في فواتير المواد الغذائية، مع مخاطر أشد في حال تفاقم النقص أو بدء الدول في تقييد الصادرات، خاصة أن التوقيت الحالي بالغ الحساسية.

وقال المدير المؤسس لمعهد راندال آر. كيندريك لسلاسل التوريد العالمية التابع لكلية مارشال بجامعة جنوب كاليفورنيا، نيك فياس، لموقع "بيزنس إنسايدر": "هذا موسم زراعة" . وأضاف أن نقص الأسمدة الحالي من المرجح أن يؤثر سلبا في الإنتاج الإجمالي، ما سينعكس بدوره على أسعار المواد الغذائية.

وقد ارتفعت أسعار المدخلات الرئيسية، مثل اليوريا ـ أحد مكونات الأسمدة الغنية بالنيتروجين المستخدمة في زراعة المحاصيل ـ من نحو 350 دولارا للطن إلى أكثر من 600 دولار لأول مرة منذ عام 2022.

وأوضح الرئيس التنفيذي لمنصة هيليوس للتنبؤات الزراعية، فرانسيسكو مارتن- رايو، أن الأسمدة تمثل بالفعل تكلفة كبيرة على المزارعين، وبالتالي فإن هذا الارتفاع يعيد تشكيل قرارات الزراعة.

ـ تعطل الإمدادات :

أن الأضرار التي لحقت بالإنتاج ومخاطر الشحن فاقمت الأزمة. ولا يملك المزارعون رفاهية الانتظار. وأضاف مارتن- رايو: "أن الأسمدة التي لا تستخدم في محاصيلكم خلال شهري مارس وأبريل ، لا يمكن تعويضها في يونيو ويوليو إذا تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار" . مضيفا انه اذ  ترتفع تكاليف المدخلات، يتبعها انخفاض في استخدام الأسمدة وضعف في المحاصيل، وفي النهاية تقلص في مخزونات الحبوب العالمية.

وقال نيك فياس إن الصراع الإيراني يصطدم بضغوط عالمية قائمة، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا، التي كانت تمثل سابقًا نحو 30% من صادرات القمح العالمية وأكثر من 60% من صادرات زيت عباد الشمس.

والآن، مع تقييد تدفقات الأسمدة، قال فياس إن أمام الدول بدائل أقل مما كانت عليه في عام 2022، ما يحوّل نظامًا هشًا بالفعل إلى صدمة إمدادات أكثر حدة. واختتم فياس قائلاً: "إنه ببساطة تأثير مضاعف".

ـ ارتفاع تكاليف الذرة والقمح :

وتعد المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة والأرز وزيت دوار الشمس الأكثر عرضةً للخطر، ولن تبقى آثار هذا الارتفاع محصورة.

فهذه المحاصيل تمثل أساس النظام الغذائي للبشر وعلفا للحيوانات، ما يعني أن أي اضطرابات ستنعكس على قطاعي اللحوم والألبان، كما أوضح فياس.

وتفاقم أسعار الطاقة المرتفعة المشكلة، إذ تعتمد أنظمة الغذاء الحديثة على الطاقة في كل مرحلة، بدءًا من إنتاج الأسمدة وصولا إلى النقل المبرد.

وقال فياس: "عندما يتعطل 20% من الإمدادات، يكون لذلك تأثير واضح على جميع مراحل الإنتاج"، مشيرا إلى أن المستهلكين هم من يتحملون هذه التكاليف في نهاية المطاف.

وفي الولايات المتحدة، يرجح أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع فواتير البقالة بدلا من رفوف فارغة، لكن الزيادات قد تكون كبيرة. وقال مارتن ـ رايو إن أفضل السيناريوهات قد تدفع أسعار المواد الغذائية إلى الارتفاع بنسبة تتراوح بين 12% و18%، ما يُضيف نحو 100 دولار أو أكثر شهريا إلى ميزانية الأسرة العادية.

وحتى في حال انحسار الأزمة، فلن يكون التعافي فوريا، إذ إن صدمات سلاسل التوريد "لا تختفي بين عشية وضحاها "، كما قال فياس.

ويؤكد تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن التداعيات الاقتصادية للحرب في إيران، التي دخلت أسبوعها الخامس، تلقي بظلالها على المستهلكين والشركات حول العالم، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والوقود.

وكتب كبار الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي هذا الأسبوع، وفق الصحيفة الأمريكية، أنه "على الرغم من أن الحرب قد تؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، إلا أن جميعها تفضي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو".

والثلاثاء، ظهرت بوادر التوتر في توقعات جديدة تشير إلى ارتفاع حاد في معدلات الفقر في الشرق الأوسط، وقفزة كبيرة في التضخم في أوروبا، ووصول أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية جديدة. وتعد هذه الآثار مرهقة بشكل خاص للدول الفقيرة التي تمتلك موارد محدودة.

وتواجه دول أفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وأجزاء من الشرق الأوسط، التي تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة، صعوبة بالغة في تحمل هذه التكاليف المرتفعة.

وأوضح اقتصاديون في صندوق النقد الدولي أن هذا التأثير يشبه "ضريبة كبيرة ومفاجئة على الدخل"  بالنسبة لهذه الاقتصادات.

ـ الدول النامية على موعد مع صدمة غذاء جديدة إثر حرب إيران :

ـ صدمة متوقعة في أسواق الغذاء :

يهدد تعطل شحنات الأسمدة وارتفاع أسعار الطاقة بسبب حرب إيران بموجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الدول المعرضة للخطر، مما قد يؤدي إلى انتكاسة تمتد لسنوات في حين لا تزال بلدان كثيرة تتعافى من صدمات عالمية متتالية.

وشهدت الدول النامية تحسنا ملحوظا وجذبت الاستثمارات بعد أن تسببت جائحة كورونا العالمية والحرب في أوكرانيا في اضطراب أسواق الغذاء والوقود والأسواق المالية. والآن، يهدد صراع إيران بتقويض هذه المكاسب وترك الأسر تكابد لتوفير احتياجاتها من الغذاء.

وتقول أوديل رينو باسو رئيسة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وهو مقرض رئيسي في حوالي 40 اقتصادا ناشئا "قد يكون لهذا تأثير كبير على الأسعار وأسعار المواد الغذائية بمرور الوقت" .

وأشارت ماري ديرون المديرة الإدارية في وكالة موديز للتصنيف الائتماني إلى أن الغذاء والوقود يشكلان أقل من ربع سلة تضخم أسعار المستهلكين في معظم الاقتصادات المتقدمة، لكنهما يمثلان من 30 إلى 50% في العديد من الأسواق الناشئة.

وقالت: "مواجهة عدد من الاقتصادات لهذا الخطر يجعلها عرضة بشكل خاص لخطر تقلبات الأسعار المدفوعة بعوامل خارجية".

ـ ارتفاع أسعار الأسمدة :

تعد الأسمدة نقطة ضغط رئيسية إذ أن مضيق هرمز الذي أغلقته طهران فعليا يمر عبره نحو 30% من الأسمدة المتداولة عالميا، كما يعد المنتجون في منطقة الخليج من كبار موردي الأمونيا واليوريا، وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "فاو".

ويحذر بنك أوف أمريكا من أن الصراع يهدد ما بين 65 و70% من الإمدادات العالمية من اليوريا، وأن الأسعار ارتفعت بالفعل بنسبة تتراوح بين 30 و40% .

وقال ماكسيمو توريرو كبير خبراء الاقتصاد في الفاو في تعليقات عن التداعيات إذا استمر الصراع لبضعة أسابيع أخرى فقط "سيؤثر هذا على الزراعة... سيكون هناك انخفاض في إمدادات السلع الأولية في العالم -من الحبوب الأساسية والأعلاف وبالتالي من منتجات الألبان واللحوم". وأضاف "قلة قليلة من الدول قادرة على الصمود في مواجهة ذلك" . وعلى عكس الوقود، لا توجد مخزونات عالمية استراتيجية للأسمدة. لكن بعض الدول أكثر عرضة للخطر من غيرها.

ـ مشاكل في الإمدادات:

وتتمتع أمريكا اللاتينية، البعيدة عن الحرب والتي تضم البرازيل والأرجنتين العملاقتين في مجالي الطاقة والزراعة، بوضع أكثر أمانا ومع ذلك حذر وزير الزراعة البرازيلي كارلوس فافارو من احتمال مواجهة البلاد لمشاكل في إمدادات الأسمدة. أما في نيجيريا المنتجة للنفط، فسيسهم مصنع دانجوت للأسمدة في تخفيف حدة الأزمة.

وفي المقابل، لا تحتفظ دول مثل الصومال وبنجلادش وكينيا وباكستان عادة بمخزونات كبيرة من الأسمدة، وتعتمد بشكل أكبر على سلاسل التوريد من دول الخليج. وذكرت الفاو أن تكاليف الأسمدة في كينيا ارتفعت بالفعل بنحو 40%.

وقال وزير المالية الرواندي يوسف مورانجوا خلال مؤتمر صحفي الاثنين  6 ابريل إن رواندا، التي تستورد معظم الأسمدة من منطقة الخليج، تدرس اتخاذ خطوات لحماية قطاعها الزراعي كما ان هناك الكثير مما نحاول استكشافه لاحتواء هذا الضغط" .

ـ من الأسمدة للأغذية :

على عكس ما حدث في عام 2022 عندما أثرت حرب روسيا وأوكرانيا بشكل مفاجئ على صادرات البلدين من الحبوب، فارتفاع أسعار الأسمدة أو حتى النقص الحاد فيها قد يؤدي إلى انخفاض غلة المحاصيل في حين تزيد أسعار الطاقة المرتفعة من تكاليف الإنتاج والنقل.

وارتفعت أسعار النفط والغاز العالمية بأكثر من 50% منذ بدء الصراع مما رفع تكاليف المدخلات في كل مراحل سلاسل التوريد. وكشفت بيانات الرابطة الدولية لصناعة الأسمدة أن أي نقص في إمدادات الأسمدة من المرجح أن يؤثر أولا على المحاصيل التي تعتمد بشكل كبير على النيتروجين، مثل الذرة والقمح. وستنعكس زيادة تكاليف الأعلاف على كل المنتجات، بدءا من الخبز وصولا إلى الدواجن والبيض.

وقال ديفيد ريس رئيس قسم الاقتصاد العالمي في شركة شرودرز "هذه هي المشكلة دائما مع هذا النوع من الصدمات في العرض، يحدث الجزء المتعلق بالطاقة أولا، ومع امتصاص ذلك، يأتي الجزء المتعلق بالغذاء في الموجة الثانية".

ـ تخطيط السياسات واحتياطيات ضعيفة :

كان التضخم العالمي قد انخفض قبل نشوب الحرب الأمريكية - الإسرائيلية على إيران في فبراير ، بل إن أسعار بعض المواد الغذائية بدأت تتراجع. وانحسر التضخم العالمي في أسعار الغذاء في يناير إلى أدنى مستوياته منذ عام 2017 على الأقل.

وأدت الارتفاعات السابقة في أسعار المواد الغذائية إلى اضطرابات اجتماعية ووضعت صانعي السياسات في حالة تأهب. وتدعم الحكومة المصرية الخبز للمساعدة في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. وفي عام 2022، خرج متظاهرون إلى الشوارع من تشيلي إلى تونس احتجاجا على ارتفاع الأسعار.

وقد تؤدي التداعيات غير المباشرة إلى تفاقم الأزمة. فارتفاع أسعار الوقود قد يحول المحاصيل إلى وقود حيوي وليس غذاء. كما أن التباطؤ الاقتصادي في منطقة الخليج، التي تضم ملايين العاملين المهاجرين، قد يقلل من التحويلات المالية إلى دول مثل باكستان ولبنان والأردن.

وبدأت الأسواق بالفعل في تقليص توقعاتها بشأن تحرك سريع لتيسير السياسة النقدية في الأسواق الناشئة مع تزايد مخاطر التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة، وهو تحول قد يؤثر سلبا على النمو.

ويدرس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية تقديم حزم دعم، تشمل المساعدة في توفير الأسمدة. ودعا توريرو من الفاو بنوك التنمية الأخرى والحكومات إلى إعداد تدابير طارئة في حالة عدم انتهاء الحرب قريبا. وحذر توريرو قائلا "إذا استمر الوضع لأكثر من شهر... فسنواجه مشاكل في الزراعة ومشاكل في المحاصيل".

ـ معبر "حاجي عمران".. إيرانيون يبحثون عن الغذاء والإنترنت داخل حدود العراق :

تحول معبر "حاجي عمران" الحدودي بين إيران وإقليم كردستان العراق، لشريان حياة لعشرات الإيرانيين الفارين من أزمات متراكمة.

ومع الساعات الأولى لإعادة فتحه، تدفقت أعداد كبيرة من المواطنين، خصوصا من المناطق ذات الغالبية الكردية، بحثا عن أبسط مقومات الحياة على الجانب الآخر من الحدود، وفقا لوكالة أسوشيتدبرس.

هذا المعبر، الذي لطالما شكل حلقة وصل اقتصادية واجتماعية وثقافية بين جانبي الحدود، لم يكن يوما مجرد نقطة عبور تقليدية، بل مساحة تداخل يومي لعائلات متشابكة ومصالح مشتركة.غير أن إغلاقه خلال التصعيد العسكري الأخير خنق هذا الامتداد الحيوي، قبل أن تعيد الحرب نفسها تعريفه كملاذ اضطراري، ومتنفس نادر في ظل ظروف معيشية متدهورة داخل إيران.

على الجانب العراقي، بدت الحركة غير اعتيادية، إذ اصطفت السيارات والشاحنات، محملة بمسافرين، بعضهم جاء لشراء مواد غذائية بأسعار أقل، وآخرون بحثا عن فرصة عمل مؤقتة. بينما كان الإنترنت ـ  الغائب في معظم أنحاء إيران ـ دافعا رئيسيا لعبور الحدود.

ودفع انقطاع الاتصال لأكثر من أسبوعين كثيرين إلى التجمّع قرب المعبر، واقتناء شرائح هاتف عراقية فقط للاطمئنان على عائلاتهم في الخارج.

في خضم هذا المشهد، تبرز قصص إنسانية تختزل حجم المعاناة. امرأة كردية من بيرانشهر قطعت نحو 15 كيلومترا لتشتري الأرز وزيت الطهي بأسعار أقل بكثير من تلك التي تضاعفت في مدينتها بفعل التضخم المرتبط بالحرب.

 لم يكن هدفها تأمين الغذاء فحسب، بل إجراء مكالمة هاتفية غابت لأكثر من 16 يوما، في بلد أصبح فيه التواصل مع العالم الخارجي رفاهية نادرة.

وفي زاوية أخرى من المعبر، كانت امرأة مسنة، يثقلها المطر والحزن، تعبر وحيدة نحو إقليم كردستان، بحثا عن أقارب يمكن أن يمدوا يد العون، حيث فقدت ابنها، المعيل الوحيد لأسرتها، قبل أكثر من عام أثناء تهريب بضائع عبر الحدود، لتجد نفسها اليوم أمام عبء إعالة ثلاثة أطفال وسط ارتفاع الأسعار وتراكم الديون.

ولا تقتصر الحركة على الباحثين عن الغذاء أو التواصل، بل تشمل أيضا عمالا إيرانيين عادوا إلى وظائفهم في إقليم كردستان بعد زيارات قصيرة لعائلاتهم.

الحرب لم تغير فقط معيشة المدنيين، بل أعادت تشكيل الواقع الأمني على الجانب الإيراني من الحدود. ووفق شهادات متقاطعة، تعرضت منشآت عسكرية واستخباراتية لدمار واسع جراء الضربات الجوية، ما دفع عناصر الأمن إلى تجنب مواقعهم الثابتة في المناطق الحدودية.

   

 

 



التعليقات