مقال رئيس المركز


كتب فاطيمة طيبى
29 مارس 2026 1:06 م
-
الغرق داخل سفينة الدولار

الغرق داخل سفينة الدولار

 الغرق داخل سفينة الدولار 

بقلم ـ  لدكتور خالد الشافعي

سؤال يطرحه الكثيرون منا .. هل نحن فعلا على اعتاب انهيار مالي عالمي ام بداية نظام نقدي جديد تماما .. تختلف الردود والاجابات لكن المؤكد ان امريكا  التي جرفها الشلال الى القاع بسبب ديونها التي وصلت  32 تريليون دولار  في واقع الامر هي ديونا تساوي قيمة الدين الامريكي الفعلي،  رقما يفوق الناتج المحلي الاجمالي لكثير من دول العالم وما تسديد هذه الفوائد يسحب فعليا من ميزانية الدولة نصفها.

بين الواقع والازمة هناك حقيقة  تكشفها ارقام لا يشوبها التزييف لاي من التصريحات المعلنة  هذه الفائدة تمر بمنحنى تصاعدي يجعل من اصحاب القرار الامريكي امام واقع  يفرض نفسه كل شهر وهو طبع المزيد من كميات لا حصر لها من الدولارات تفتقد فعليا لغطاء حقيقي.

اعتبر هذ الخيار بداية للسير في الطريق الصعب اوله خفق الانفاق العام مرورا بزيادة الانتاج ونهاية بتحقيق نمو حقيقي .. لكن في واقع الامر عدم تحقيق هذه العوامل الثلاثة على الاقل في الوقت الحالي ولما يشهده العالم من تطورات، الفشل الحقيقي فعليا  وهنا  ياتي اللجوء الى الدرس الملقن.. القديم  الجديد وما اقصده ، ما يسمى بسياسة تغييرقواعد اللعبة . والبداية ...اللعب على المكشوف .

الذي اود ان اشير اليه ان ما لدى امريكا من  الذهب مخزن في قلعة فورت ناكس ما يزيد عن 8133 طنا يعود اغلبه الى الحرب العالمية الثانية كودائع  من الكثير من الدول مقابل الدولار الذهبي .

الواقع ان ما تسعره وزارة الخزانة الامريكية مغاير تماما ، ثروتها الحقيقية تقترب من تريليون دولار غير ان المعلن عنه في دفاترها الرسمية اقل بكثيرما يساوي 11 ميار دولار .

وهنا يكمن اساس الخدعة البسيطة والمدمرة في ان واحد .. اعادة تقييم الذهب بالسعر الحقيقي له اي تقوم بتحويل ما قيته 8133 طن من مجرد اصول ورقية الى ثروة حقيقية ضخمة ،حيلة تجعل من امريكا غنية فجاة حيث تستطيع تخفيض نسبة الدين الى الناتج المحلي و بالتالي تعطي للعالم صورة قوية جديدة بينما الواقع الحقيقي يقول وبكل صراحة انها لم تسدد شيئا .

المحزن في الامر..  ان ما وراء هذا كله خطة مغلفة بكثير من الدهاء تحمل في طياتها الكثير من الخبث ، بما يسمى بفكرة التلاعب بالحسابات المسجلة على الورق ، الواقع المر ان امريكا لم تنتج ذهبا ، لم تسدد اي من ديونها ، وفي المقابل ايضا لم تخفض من انفاقها غير ان الذهب الذي في حوزتها حسابيا اصبح يساوي اكثر من قيمته وهنا يكمن مربط الكارثة .

اول هذه الكارثة عدم ثقة العالم بالدولار، وثانيها انفجار التضخم بالاسواق العالمية، وثالثها والاهم فقدان البنوك المركزية حول العالم جزء كبير من قيمة احتياطاتها بالدولار ما يدفع الكثير من الافراد  بمختلف تصنيفاتهم  الى اللجوء الى الذهب وهنا يكمن السبب الحقيقي والرئيسي لرفع سعر الذهب على الشكل الذي نراه الان .

الكارثة الاكبر ان امريكا فعليا مقتنعة بان اعادة تقييم الذهب في شكله الحالي او بسعره المرتفع هو الحل انما هي لن تستطيع باي شكل من الاشكال تسديد ما عليها من الديون  وهي فقط تساعد بذلك على تاخير الكارثة زمنيا ليس الا ..

هنا ياتي التفسير الفعلي للجزء الثاني من هذه الخطة والتي اعتبرها ايضا وجها اخر للكارثة ان تبحث عن  بديل للدولار وهوما يعرف بالدولار الرقمي . لكن الذي لا يدركه الكثيرون ان حملات الترويج   للدولار الرقمي هذا  انما هو في واقع الامر تغيير جذري في قواعد اللعبة المالية العالمية.

تتمثل بداية في اطلاق عمليات رقمية مستقرة مثل ( يو اس تي تي ) و ( يو اس دي سي) عملات مشفرة مرتبطة بالدولار هذا ما يفسر فعليا ان ربط هذه العملات باذون وسندات الخزانة الامريكية كبديل واقعي عن الذهب ، معناه باختصار تحويل التجارة العالية تدريجيا من النظام البنكي التقليدي البطيء الى نظام رقمي اسرع واسهل.

 لكن الذي اود ان اوضحه ان هذا النظام لا يملك قوة التعددية من دول العالم صاحبه القوى والنفوذ الاقتصادي الدولي بل هنا يكمن الفخ الحقيقي  في ان النظام المالي الرقمي" امريكي بالكامل" .

وهنا يكمن مربط الفرس للخطر الحقيقي بدلا من ربط الدولار  بالذهب كما جاء في اتفاقية "برايتن وودز" ـ وللعلم فقط ان هذه الاتفاقية كانت سنة 1944 وجدت كنظام مالي عالمي لضمان استقرار العملات و تنشيط التجارة حيث تم ربط العملات المختلفة بالدولار الامريكي والذي بدوره تم ربطه بـ 35 دولار للاونصة. من نتائج هذا النظام ولد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي  لغاية اغسطس من سنة 1971  حينما اعلن الرئيس  الامريكي ريتشارد نيكسون وقف تحويل  الدولار الى ذهب  مما ادى الى اعتماد نظام التعويم  ـ .

خلاصة هذا كله انه سيتم كما سبق ربط هذه المرة  العملات الرقمية بالسندات الامريكية ومن هنا سيضطر العالم كله لشراء سندات امريكية ليس من اجل الاستثمار بل من اجل استخدام الدولار الرقمي الجديد .

الغريب في الموضوع ان دونالد ترامب اول من هاجم العملات الرقمية في بداية ولايته ليعود ومن دون سابق انذر في سنة 2024 ليصبح من اكثر الداعمين لها  وصل الامر ان اطلق عملة باسمه ( ترامب مي مي كايد) والتي بالفعل حققت ارباحا مهولة في خلال اسابيع فقط .

هذا التغيير في الراي المفاجئ سببه الرئيسي ان ترامب ادرك وفريقه ان مستقبل السيطرة المالية لا يكمن في الذهب بل في كود البرمجة الذي يحدد في النهاية مصير هذه العملة بمن يطبعها  ومن يتحكم فيها .

لذلك اقول ان العملة الرقمية المستقرة والمدعومة في النهاية بالسندات تعتبر وسيلة حقيقية للسيطرة وايضا مصدرا تمويل جديد وغطاء لاخفاء التضخم والديون.

من هنا تصبح العملات الرقمية شكلا جديدا من الرهان من طرف امريكا لتعيد تشكيل نظام مالي عالمي .. وكانه نفس السيناريو الذي سبق وان ذكرته فيما يخص الدولار الذهبي ثم التخلي عنه فيما بعد ذلك والذي احدث بالفعل صدمة قوية للعالم  ليتم بعدها انشاء ما يسمى بالبرودولار والذي ظل ساريا حتى اليوم .

ما اود ان استخلصه هنا ان العالم يدفع الثمن فاللعبة ليست لعبة ارقام بقدر ما هي معركة وجودية في الاقتصاد العالمي في حال ما اذا تم تنفيذ هذه الخطة بنجاح ستكون العواقب كارثية على الجميع .

ذلك ان الدول التي اعتمدت على الدولار كاحتياطي ستخسر نصف قيمتها والنتيجة ان اسعار السلع ستقفز كالصاروخ بسب ان الدولار فقد استقراره . وهنا انوه ان الدولار الرقمي وسيلة عقاب جديدة لكثير من الدول وايضا الشركات بضغطة تتم  من على الزرار لينتهي الامر في ثوان .

واضيف ان البنوك المركزية ايضا ستفقد سيطرها على عملاتها المحلية في مختلف دول العالم وبالتالي ان المواطن العادي سيجد مدخراته قد تبخرت دون سبق انذار.

السؤال الوجيه الذي يمكن لكثير من العامة والمختصين طرحه هل فعلا سيتمكن العالم بصورة او باخرى ان يجد حلا لايقاف هذه الخدعة ان لم ا قل عنها مهزلة .

اود ان اشير الى ان هناك من استوعب هذا وبدات هناك تحركات خاصة من الصين وبدات فعليا بتطوير الايوان الرقمي وتعقد اتفاقيات تجارية بعيدا عن الدولار لذلك دول البريكس تطالب الان بعملة جديدة لتجارة الطاقة والذهب  لهذا ان البنوك المركزية سواء في اوروبا او اسيا بدات فعليا ترفع من احتياطاتها من الذهب بدلا من الدولار.

ارى ان المواجهة الحقيقية لم تبدا فعليا واعتبر ان اي خلل في هذه المعادلة قد تكون الفتيل القوي الذي سيشعل نار الازمة المالية العالمية او حتى حربا اقتصادية .. وما يحاك في كواليس واشنطن ليس مجرد ارقام في دفاتر الخزانة الامريكية بل اعتبره اكبر تلاعب مالي في تاريخ البشرية .

لكن السؤال هل بالفعل من خلال هذه الخطة ستنجح امريكا في تصفير ديونها ام ستحدث ازمة نتاج هذا النظام الجديد .

 ما اود ان اقوله .. ان الفدرالي في اجتماعه الاخير قام بتثبيت الفائدة والمشكلة ليست في تصريح باول او تقرير مورجان ستانلي الذي اشار الى ان خفض الفائدة سيكون في يونيو ، الفدرالي الامريكي رمى الكرة في ملعب اسعار الطاقة وبرميل البترول الذي قد يتعدى اليوم 110 دولار الشبح الذي يخاف منه الفد رالي من اجل خفض الفائدة.

 في المقابل الذهب اخذ صدمة فورية وتراجع لاكثر من 2% والسبب يعود لاستمرارية سيطرة الدولار من جهة والفائدة المرتفعة من جهة اخرى . لذلك اقول اننا نحن الان في عصر البترول فكلما اصبح  سعر البنزين و الطاقة عال ، الفدراري متردد ويعيش حالة التذبذب والقلق  لخفض الفائدة .

في الناحية المواجهة وفي عز غليان العالم الصين قامت بخطوة استباقية الحكومة الصينية اصدرت اوامرا سيادية بوقف تصدير البنزين والديزل وقررت غلق محبس الوقود من اجل ان تحفتظ لنفسها بالامان مستقبلا ، وبهدوء تام وبهذا القرار قامت بتصدير فاتورة التضخم لدول اخرى .

الديزل ليس مجرد وقود  بل الشريان الذي به تسيرالسفن و تعمل المصانع والالات  الزراعية ..  المشكلة لما هذه الاجهزة المختلفة  يتوقف عنها شريان  انتاجها ..  النتيجة الحتمية ان اي من مقتنياتك سيرتفع سعرها الى اضعاف مضاعفة من اول علبة الدواء التي تستهلكه الى التكنولوجا .

لذلك لابد ان نعرف وندرك ..  نحن الان لسنا فقط بصدد مواجهة التضخم بل نحن ايضا على اعتاب اعادة تقييم لكل شيء من اول عملة بحفظتك الى كل ما يحيط بك.



التعليقات