أبحاث


كتب فاطيمة طيبى
22 فبراير 2026 11:04 ص
-
من يدفع ثمن المليارات المفقودة بعد الغاء المحكمة العليا الرسوم الجمركية الشاملة

من يدفع ثمن المليارات المفقودة بعد الغاء المحكمة العليا الرسوم الجمركية الشاملة

اعداد ـ فاطيمة طيبي

أصدرت المحكمة العليا الجمعة 20 من فبراير الحالي  قرارا بإلغاء الرسوم الجمركية العالمية واسعة النطاق التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، ملحقة خسارة كبيرة في قضية محورية لبرنامج الرئيس الاقتصادي.

ويتمحور القرار، الصادر بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، حول الرسوم الجمركية المفروضة بموجب قانون صلاحيات الطوارئ، بما في ذلك الرسوم "المعاملة بالمثل" الشاملة التي طُبقت على معظم دول العالم.

ويعد هذا القرار أول بند رئيسي من برنامج ترامب يعرض مباشرة أمام أعلى محكمة في البلاد، والتي ساهم الرئيس في تشكيلها بتعيينه 3 قضاة محافظين خلال ولايته الأولى.

رأت الأغلبية أن فرض الرئيس للرسوم الجمركية وتغييرها بشكل منفرد أمر غير دستوري، لأن سلطة فرض الضرائب من اختصاص الكونجرس بشكل واضح. وكتب رئيس المحكمة العليا، جون روبرتس: "لم يمنح واضعو الدستور أي جزء من سلطة فرض الضرائب للسلطة التنفيذية".

وفقا لوكالة أسوشيتد برس، عارض القضاة صموئيل أليتو وكلارنس توماس وبريت كافانو القرار. وكتب كافانو: "قد تكون الرسوم الجمركية محل النزاع هنا سياسة حكيمة أو لا، ولكن من حيث النص والتاريخ والسوابق القضائية، فهي قانونية بوضوح".

وصف ترامب قرار الأغلبية بأنه "عار" خلال اجتماعه مع عدد من حكام الولايات، وفق شخص مطلع تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته. وكان ترامب يجتمع سرا مع نحو 20 حاكما من الحزبين عندما صدر القرار، ولم يصدر البيت الأبيض أي تعليق فوري.

ولم تتطرق الأغلبية إلى مسألة استرداد الشركات لمليارات الدولارات التي دفعتها كرسوم جمركية، فيما رفعت العديد من الشركات، بما فيها سلسلة متاجر كوستكو، دعاوى قضائية أمام المحاكم الأدنى للمطالبة بهذه المبالغ.

وأشار كافانو إلى أن الإجراءات قد تكون معقدة، وقال: "لم تصدر المحكمة أي قرار بشأن ما إذا كان ينبغي إعادة مليارات الدولارات التي جمعتها الحكومة من المستوردين، وإن كان الأمر كذلك، فكيف. ومن المرجح أن تكون هذه العملية فوضوية".

أظهرت بيانات فيدرالية أن وزارة الخزانة الأمريكية جمعت أكثر من 133 مليار دولار من ضرائب الاستيراد التي فرضها ترامب بموجب قانون صلاحيات الطوارئ حتى ديسمبر ، وقدر الأثر المتوقع لهذه الرسوم على مدى العقد المقبل بنحو 3 تريليونات دولار.

ولا يمنع قرار المحكمة ترامب من فرض رسوم بموجب قوانين أخرى، ورغم القيود الأكبر على سرعة وصرامة إجراءات ترامب، توقع مسؤولون كبار في الإدارة الإبقاء على إطار الرسوم الجمركية ساريا بموجب صلاحيات أخرى.

وصف نيل كاتيال، الذي ترافع نيابة عن مجموعة من الشركات الصغيرة، القرار بأنه "انتصار كامل وتام" للمعترضين، مؤكدا: "إنه تأكيد على أعمق قيمنا الدستورية، وأن الكونجرس، وليس أي فرد، هو من يملك سلطة فرض الضرائب على الشعب الأمريكي". ولم يتضح بعد كيف سيؤثر القرار، الذي يقيد سلطة ترامب في تحديد وتغيير الرسوم الجمركية بشكل منفرد، على الاتفاقيات التجارية مع الدول الأخرى.

وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية، أولوف جيل: "ما زلنا على اتصال وثيق مع الإدارة الأمريكية للحصول على توضيح بشأن الخطوات التي يعتزمون اتخاذها ردا على الحكم"، مضيفا أن الهيئة ستواصل الضغط لخفض الرسوم الجمركية.

يأتي القرار رغم سلسلة من الانتصارات قصيرة الأجل في قضايا الطوارئ التي نظرتها المحكمة، والتي سمحت لترامب باستخدام صلاحياته التنفيذية بشكل غير مسبوق في قضايا تتراوح بين إقالة مسؤولين بارزين وخفض التمويل الفيدرالي.

وصف ترامب القضية بأنها من أهم القضايا في تاريخ الولايات المتحدة، مؤكدا أن صدور حكم ضده سيشكل ضربة اقتصادية قاصمة للبلاد.

إلا أن المعارضة القانونية تجاوزت الطيف السياسي، بما في ذلك جماعات ليبرتارية وداعمة للأعمال التجارية، وعادة ما تكون متحالفة مع الحزب الجمهوري. وأظهرت استطلاعات الرأي أن الرسوم الجمركية لا تحظى بشعبية واسعة لدى العامة، وسط مخاوف متزايدة بشأن القدرة على تحمل التكاليف.

جادلت إدارة ترامب بأن قانونا صدر عام 1977 يسمح للرئيس بتنظيم الاستيراد خلال حالات الطوارئ، ويخول له أيضا تحديد رسوم الاستيراد، وقد استخدمه رؤساء سابقون لعقوبات محددة، لكن ترامب كان أول رئيس يستند إليه لفرض ضرائب على الواردات بشكل شاملة .

وكتب جون روبرتس، مستخدما اختصارا لقانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية: "إن حقيقة عدم وجود مثل هذه السلطة في قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) دليل قاطع على عدم وجودها".

فرض ترامب تعريفات جمركية "متبادلة" على معظم الدول في أبريل 2025 لمعالجة العجز التجاري الذي أعلنه حالة طوارئ وطنية، بعد أن فرض رسوما على كندا والصين والمكسيك، ظاهريا لمعالجة أزمة تهريب المخدرات.

وتلت ذلك سلسلة دعاوى قضائية، من بينها دعوى رفعتها اثنتا عشرة ولاية ديمقراطية، وأخرى رفعتها شركات صغيرة تبيع كل شيء من لوازم السباكة إلى الألعاب التعليمية وملابس ركوب الدراجات النسائية.

جادل المعترضون بأن قانون صلاحيات الطوارئ لا يتطرق إلى الرسوم الجمركية، وأن استخدام ترامب له يخالف عدة معايير قانونية، بما في ذلك معيار أدى إلى فشل برنامج الرئيس جو بايدن لإلغاء قروض الطلاب بقيمة 500 مليار دولار.

وأشار القضاة المحافظون الثلاثة في الأغلبية إلى مبدأ "المسائل الجوهرية"، الذي ينص على وجوب أن يصرح الكونجرس بوضوح بالإجراءات ذات الأهمية الاقتصادية والسياسية الكبرى. وكتب روبرتس: "لا استثناء لمبدأ المسائل الجوهرية فيما يتعلق بقوانين الطوارئ".

شكل القضاة الليبراليون الثلاثة بقية الأغلبية، لكنهم لم ينضموا إلى هذا الجزء من الرأي. وكانت إدارة ترامب قد جادلت بأن الرسوم الجمركية جزء أساسي من نهجها في الشؤون الخارجية، وهو مجال لا ينبغي للمحاكم أن تشكك في قرارات الرئيس، لكن روبرتس، الذي انضم إليه القاضيان نيل جورسوش وإيمي كوني باريت، رفض هذا الادعاء، مؤكدا أن تداعيات الشؤون الخارجية لا تغير المبدأ القانوني.

وقالت  مالكة متجر "سكوتش جورميه" في جرينسبورو بولاية كارولاينا الشمالية، آن روبنسون، إنها "رقصت فرحا" عند سماع الخبر. وقد أثرت الرسوم الجمركية الأساسية البالغة 10% على البضائع البريطانية سلبا على أعمالها، حيث كلفتها حوالي 30 ألف دولار في موسم الخريف. كما انه "حان الوقت لتنظيم تخفيضات. وداعا للرسوم الجمركية".

ـ من يدفع ثمن المليارات المفقودة بعد بطلان رسوم ترامب؟ :

 تواجه الخزانة الأميركية مأزقا ماليا وتاريخيا غير مسبوق بعد صدور حكم المحكمة العليا ببطلان الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضتها إدارة ترامب. هذا الحكم لم يكتف بتفكيك الركن الأساسي في الأجندة الاقتصادية للبيت الأبيض، بل فتح الباب أمام مطالبات قانونية برد نحو 175 مليار دولار حصلت "بدون تفويض ".

وفي رد فعل فوري، سارع الرئيس ترامب للتوقيع على أمر تنفيذي جديد بفرض تعرفة بنسبة 10% لمدة 150 يوما، في خطوة تؤكد أن الصراع بين السلطة التنفيذية والقضائية قد انتقل من "ساحة الطوارئ" إلى "ساحة المناورة القانونية".

وبينما تشير تقديرات اقتصادية مستقلة إلى أن الحكومة باتت "مدينة" فعليا لهذه الشركات، يسود الغموض حول آلية استرداد هذه الأموال في وقت تعاني فيه الميزانية الفيدرالية من ضغوط متزايدة.

هذا التحول المفاجئ يثير تساؤلات ملحة حول القدرة على احتواء هذه الصدمة الاقتصادية، ولعل أبرزها، هل تغرق الخزانة الأميركية في ديون تعويضات الرسوم الجمركية؟ ومن يدفع ثمن المليارات المفقودة بعد بطلان رسوم ترامب؟ وكيف سيواجه ترامب القيود الجديدة على سياساته التجارية العالمية؟

ـ تفكيك أجندة الرسوم:

وتفصيلا ..أبطلت المحكمة العليا الجمعة جزءا كبيرا من أجندة الرسوم الجمركية الواسعة للرئيس دونالد ترامب، مما يمثل ضربة قوية لأحد الركائز الأساسية لسياساته الاقتصادية.

وقضت المحكمة بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 بأن القانون الذي استندت إليه هذه الرسوم "لا يخول الرئيس فرض رسوم جمركية"، وفقا لتقرير نشرته شبكة "سي إن بي سي" .

 وأوضح التقرير أن القضاة وصفوا موقف ترامب القانوني بأنه يمثل "توسعا تحوليا" في سلطة الرئيس على السياسة الجمركية، مؤكدين أن الدستور يمنح سلطة الضرائب للكونجرس حصرا. وأشارت المحكمة في قرارها إلى أنه لم يسبق لأي رئيس أن استخدم قانون الطوارئ لفرض رسوم بهذا الحجم، مؤكدة أن ترامب فشل في تقديم "تفويض واضح" من المشرعين لتبرير صلاحياته الاستثنائية.

ـ  تحليل "فجوة المليارات" :

وفي سياق التبعات المالية، أشار التقرير إلى أن هذا الحكم يفتح الباب أمام مطالبات تعويض ضخمة استنادا إلى  "نموذج بن وارتون للميزانية"  ويعد هذا النموذج مبادرة بحثية مالية غير حزبية تابعة لجامعة بنسلفانيا، متخصصة في قياس الأثر الاقتصادي للسياسات العامة بدقة عالية.

وقد خلص النموذج ـ إلى أن الخزانة الأميركية قد تضطر لرد نحو 175 مليار دولار للمستوردين. وفي حين قدرت مصلحة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في وقت سابق مبالغ تصل إلى 133.5 مليار دولار باعتبارها "أموالا معرضة لخطر الاسترداد"، أوضح التقرير أن نحو 129 مليار دولار منها ناتجة مباشرة عن رسوم قانون الطوارئ الملغي، مما يحول هذه المبالغ من مورد مالي للخزانة إلى "دين ثقيل" يهدد توازن الميزانية الفيدرالية.

 ومن الناحية الإجرائية، نقل التقرير تحذيرات القاضي بريت كافانو من أن عملية الرد ستكون "فوضوية"، نظرا للصعوبة التقنية في تحديد المستحقين  الفعليين، خاصة وأن الشركات قد نقلت العبء المالي للمستهلكين عبر رفع الأسعار، مما يجعل ملف التعويضات مأزقا محاسبيا قد يمتد لسنوات.

ـ البدائل المقيدة وسباق الزمن في واشنطن:

من جانب آخر، استعرض تقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" الخيارات القانونية البديلة المتبقية أمام الإدارة الأميركية، حيث أوضح التقرير أن ترامب قد يلجأ لـ "المادة 232" المتعلقة بالأمن القومي، أو "المادتين 201 و301" لحماية الصناعة المحلية.

 إلا أن  التقرير اشار إلى أن هذه البدائل تفتقر لسرعة التنفيذ، فهي تتطلب تحقيقات فنية من وزارة التجارة قد تمتد لـ 270 يوما وجلسات استماع عامة، مما يعني أن أي سياسة جمركية جديدة ستصطدم بـ "بيروقراطية قانونية" تحرم البيت الأبيض من ميزة الفرض الفوري والشامل للرسوم.

وعلى الفور، بعدما أبطلت المحكمة العليا الرسوم الدولية الشاملة التي فرضها وتشكل حجر زاوية في أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعلن ترامب أنه وقع أمرا تنفيذيا بفرض تعرفة جمركية جديدة بنسبة 10 % على كل الدول.

وقال الرئيس الأميركي عبر منصته تروث سوشيال: "إنه شرف عظيم لي أن أوقع، من المكتب البيضوي، تعرفة دولية بنسبة 10% تنطبق على كل البلدان وستدخل حيز التنفيذ بشكل شبه فوري".ووفق البيت الأبيض فإن إعلان ترامب بفرض رسوم استيراد بنسبة 10%، مدته 150 يوما.

ـ الرسوم الجديدة "طوق نجاة" لسداد تعويضات الخزانة :

وأكد خبراء اقتصاد في تصريحات خاصة أن قرار المحكمة يمثل إعادة صياغة جذرية للعلاقة بين السلطات، حيث يرى الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي أن الحكم يضع الخزانة الأميركية أمام استحقاق "إجباري" لسداد التعويضات، معتبرا أن لجوء ترامب لرسوم الـ 10 % الجديدة مناورة مالية لتوفير سيولة عاجلة تسد فجوة الالتزامات الطارئة.

كما يضيف الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي في حديثه   أن حكم المحكمة العليا يمثل "خطوة لتصحيح الأوضاع الاقتصادية"، مشيدا بقدرة القضاء على كبح جماح القرارات التي تفرض أعباءً جمركية غير مدروسة. ورداً على تساؤل حول احتمالية غرق الخزانة في الديون، أكد الشافعي أن الخزانة الأميركية هي "المسؤول الأول والمباشر" عن سداد كافة التعويضات والديون الناشئة عن تلك الرسوم عبر نظام "المقاصة" الجمركية.

وفي تحليله لمن يدفع الثمن الفعلي، أشار الشافعي إلى أن هذه المليارات لم تكن "مفقودة" بالمعنى التقليدي، بل كانت عبئاً يتحمله المواطن الأميركي بصفته المستهلك النهائي للسلع المستوردة. وحول القرار المفاجئ بفرض رسوم الـ 10 بالمئة، أوضح الخبير الاقتصادي أن هذا الإجراء يمثل "الحل الأنسب" الذي لجأ إليه ترامب وفريقه المالي لتوفير سيولة عاجلة وقدرات مالية تمكن الخزانة من سداد الالتزامات والتعويضات الناتجة عن قرار المحكمة العليا.

وعن كيفية مواجهة ترامب للقيود الدولية، لفت الشافعي إلى أن سياسة ترامب تتسم بـ "تجاوز الحدود المألوفة" في التعامل مع الاقتصاد العالمي، معتمداً على خضوع الكثير من الدول لقراراته، رغم وجود ممانعة من بعض الأطراف.

ومع ذلك، أعرب الشافعي عن اعتقاده بأن المواطن الأميركي ما زال غير راضٍ عن هذا الأداء الاقتصادي بسبب ما وصفه بـ "ازدواجية المعايير والإجراءات"، مؤكداً أن دفع الاقتصاد الأميركي نحو القوة الحقيقية يجب أن ينبع من فاعلية الداخل وليس عبر الاعتماد المفرط على دعم أو رسوم مفروضة على الدول الخارجية.

 

 


أخبار مرتبطة
 
16 فبراير 2026 10:36 صفي ختام "الاجتماع الوزاري للمعادن الحيوية.. واشنطن تدشن"دبلوماسية المعادن" مع دول شريكة15 فبراير 2026 12:25 ممنافسة الشركات العقارية على اقتناص الكوادر خاصة في التخصصات الفنية والاستثمارية11 فبراير 2026 12:47 م2026 عام النسيج المصري طفرة مرتقبة في الاستثمارات والصادرات10 فبراير 2026 12:36 ممؤتمر "العلا": أهمية دور الاقتصادات الناشئة في الاقتصاد العالمي8 فبراير 2026 11:33 صمؤسسة الاستثمار البريطانية BII: مصرسوق ذات أولوية وخصصنا مليار دولار للاستثمارات4 فبراير 2026 12:29 مالقمة العالمية للحكومات.."أجيليتي": تقلبات متوقعة في التجارة والاقتصاد2 فبراير 2026 12:38 موول ستريت" في صمت.. والحديث عن ترامب في الاجتماعات المغلقة محفوفا بالمخاطر26 يناير 2026 3:00 مدعم الاستثمار الصناعي يبحث عن آليات جديدة في ضل التحسن الجديد25 يناير 2026 3:52 مدافوس: المشاط تستعرض تطور البرنامج القطري لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية21 يناير 2026 1:49 مأبرز الأحداث الاقتصادية التي يترقبها المستثمرون في مصر خلال 2026

التعليقات